“العَجلانية” في حضرموت .. مُهمشون يتحدَّون الأمية

صوت المهمشين - خاص

طلاب المركز في احد الفصول الدراسية

حضرموت – رغم ما يعانيه “المهمشون” في اليمن من حرمان من التعليم وارتفاع نسبة الأمية في أوساطهم، وتجاهل من السلطات الحكومية، وتدهور لوضعهم المعيشي، وكذلك الحرمان من التمتع بأبسط مقومات سبل الحياة الكريمة، لكن هناك جماعات منهم يسعون بكل الوسائل الممكنة إلى الخروج من مستنقع الجهل.

في منطقة “العَجلانية” إحدى التجمعات السكانية للمهمشين بمديرية القَطْن بمحافظة حضرموت جنوب شرق اليمن، تقطن “32” أسرة منهم، وقد تميزت بتوحّد الكلمة وتكاتف أفرادها فيما بينهم مُتحدِّين الأميةَ المنتشرة فيهم، ليؤسّسوا مركزاً لمحو الأمية وتعليم الكبار تحت اسم “مركز محو الأمية للمهمشين في العَجلانية”.

يلتحق في هذا المركز 42 طالباً وطالبة، بينهم 23 من الأطفال والشباب و19 فتاة في فصول غير مسقوفة ولا مبنية، بل تحت أغصان الأشجار. يتلقون دروساً أساسية من قبل كادر تعليمي متطوع من المُتعلمين منهم.

 

فصول دراسية تحت الأشجار

تقول الطالبة الشابة صابرين سيف حسن (20 عاماً): “بدأتُ أدرس في محو الأمية العام السابق وأكملته بتفوق، وهذه هي السنة الثانية ونحن ندرس تحت الأشجار، ولا توجد مدرسة ولا حتى فصل واحد، وندرس من الرابعة عصرا وحتى الخامسة والنصف، ونأمل إيجاد مدرسة لكي نتعلم بها. وتؤكد صابرين أن التعليم هو أساس الحياة وستتعلم حتى تنظم الى المدرسة الأساسية وستواصل حتى تتخرج.

ورغم أنه لا توجد مدرسة أو حتى فصل دراسي واحد لمحو الأمية في المنطقة، وأنهم يتلقون دروسهم تحت أشعة الشمس وفي العراء، يقول الطفل مازن عادل يحيى (13 عاما): “أحببت الدراسة، وأتمنى أن أدرس مع بقية الأطفال، وأرتدي الزي المدرسي، وأحضر الطابور الصباحي، وأرفع يدي عاليا وأقول تحيا الجمهورية اليمنية كوني من أبنائها، وسأواصل تعليمي حتى أصبح دكتورا لكي أعالج أمي الكبيرة بالسن وأبناء الحي بالمجان”، ويضيف: “كنتُ أتمنى أني التحقت بالتعليم من قبل، لأعيش مثل جميع الأطفال، ويكون لديّ منزل نظيف وحي جميل، ومع ذلك سأتعلم”.

التطوع من محو الأمية

إياد عبد العزيز شيبان مدرّس من فئة المهمشين (37 عام) حاصل على شهادة الثانوية يقول: “بادرت بالتدريس لمدة عام تحت أشعة الشمس، ولم يكن هناك دعم من أي جهة، وأنجزت فصلا دراسيا لمحو الأمية بين أوساط المهمشين”، ويضيف إياد: “سأواصل التدريس حتى يلتحق الجميع في المدارس الأساسية وأحاول محو الأمية منهم جميعا”.

المدرس إياد من فئة المهمشين يعيش داخل المساكن في كوخ بسيط مع زوجته وثلاثة من أطفاله.

 

دور السلطات

يقول مدير إدارة محو الأمية بمديرية القطن حدّاد عوض الحامد: “نحن نسعى إلى محو الأمية بين كل الفئات، ومنها فئة المهمشين، ولدينا فصل في القطن، والآن هنا في منطقة العجلانية، وهذا يدل على وعي أسرهم ورغبة أبنائهم بالدراسة”. ويشر المدير حداد إلى أن إدارة محو الأمية تسعى للبحث عن دعم من منظمات ومؤسسات خيرية لدعم جميع الفصول، ومنها فصل منطقة العجلانية الذي يتعلّم الجميع تحت أشعة الشمس، ويؤكّد أن الإدارة استاجرت محلا قريبا من مساكنهم مؤقتا لكي يتعلم الجميع بداخله.

تظافر الجهود لمحو أمية المهمشين

يقول الناشط محمد ناصر لصوت المهمشين: “إن دمج  المهمشين في المجتمع يحتاج إلى تظافر كل الجهود الدولية والمحلية ومنظمات المجتمع المدني والجهات الداعمة، من أجل تحسين وضعهم الاقتصادي والاجتماعي، ليلتحقوا بركب التطور والرقي، فهم بحاجة إلى دعم مالي يغنيهم عن التسول والحاجة للغير، ودفعهم إلى محو الأمية والمعاهد المهنية والتقنية لإكسابهم مهارات وحرف يتقنونها ليكون لديهم مصدر دخل مستمر وثابت، ودفع الأطفال إلى المدارس والمعاهد العلمية المختلفة وقبول المتعلمين منهم والمتخصصين في الوظائف الحكومية مثلهم مثل غيرهم وتوفير بيئة نظيفة لهم تواكب متطلبات الحياة العصرية”.

وقد أشار ناصر إلى ضرورة إيجاد مشاغل الخياطة والتطريز للفتيات المستهدفات من قبل المنظمات والمجتمع المدني، ويتوقع أنه خلال عقد واحد من الزمن يمكن القضاء على الأمية لدى الشباب من كلا الجنسين وتخريج شباب متعلم ومتطلع للحياة.

تُعدّ مراكز محو الأمية الفرصة الوحيدة التي يحاول مهمشو العجلانية في حضرموت، أن تكون منفذا من خلاله يتحرّرون من الأمية والجهل المُنتشر في أوساطهم، ولا يزالون يرون بعين الأمل، أن تتكاتف الجهود الأخرى وتسندهم في تحقيق ما يطمحون إليه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.