سميرة نَبيش .. نجاح وتفوق علمي صنعَ منها مدافعة عن قضايا المهمشين

‏  7 دقائق للقراءة        1305    كلمة

يحتفي العالم في 8 مارس / آذار مِن كل عام باليوم العالمي للمرأة، تكريما وتتويجا لدورها الفاعل في مجتمعها، وإنجازاتها على جميع المستويات، وفي يومها العالمي لهذا العام، نسلط الضوء على المسيرة المهنية لشابة ثلاثينية، وهي واحدة من قصص النساء المُهمشات اللواتي كان لهن أدوار فاعلة في المجتمع اليمني عموما، ومجتمع المهمشين خصوصا.

“سميرة قائد نَبيش” محامية تعيش مع أسرتها المكوّنة من والدتها وشقيقها، في تجمع سكني للمهمشين بحَي “الضبوعة” وسط مدينة تعز الواقعة تحت سيطرة الحكومة الشرعية، وتشغل منصب مدير الشؤون القانونية في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بالمحافظة، إلى جانب ترؤُّسها لجنة الحقوق والحريات لفرع الاتحاد الوطني للمهمشين.

حصلت سميرة على درجة البكالوريوس في الشريعة والقانون من جامعة تعز عام 2008، لكنها لم تكتفي بذلك، بل واصلت دراستها حتى نالت درجة الماجستير في القانون، وهي عازمة على مواصلة تعليمها لتنال درجة الدكتوراه في القانون الدولي الإنساني.

بالنظر إلى واقع نساء المهمشين، يُعدّ مواصلة الفتاة لدراستها الجامعية، لا سيما الدراسات العليا، أمرًا نادرًا؛ إذ لا يحظى بالتعليم أساسا إلا أسر قليلة من أبناء تلك الفئة، إلا أن سميرة استطاعت الاستمرار في دراستها العليا طامحة في الحصول على درجة الدكتوراه، لتكون، في المستقبل القريب، المرأة المهمشة الوحيدة في اليمن الحاصلة على أعلى درجة أكاديمية: الدكتوراه.

تقول سميرة لصوت المهمشين إن لديها طموحا كبيرا في التوّفق العلمي، وأصرّت كثيرًا على استكمال دراستها الجامعية رغم الظروف المحيطة بها والصعوبات التي تواجهها في توفير الرسوم الدراسية التي وصفتها “بالباهظة”.

العزيمة تولد الإصرار

تراكمت المسؤوليات على سميرة، خصوصًا بعد وفاة والدها الذي كان لها عونًا وسندًا وسببًا أساسيًا في دراستها من البداية كما تقول، وأصبحت تُعيل أسرتها لتعمل وتدرس في الوقت نفسه، في الصباح تداوم في المكتب، وفي المساء تحضر المحاضرات الجامعية. “رغم كل الصعوبات التي أوجهها، لم أتوقف؛ لأني أريد أن أحقق طموحي وأحصل على الدكتوراه، حتى إن تطلب ذلك مني جهدا مضاعفا”، تقول سميرة.

 

تتابع سميرة وهي تحكي قصتها لصوت المهمشين: “واجهتُ صعوبات كبيرة في توفير رسوم الدراسات العليا في الماجستير حينما توفي والدي عام 2014، وكانت حينها مليون ونصف مليون، والدكتوراه الآن رسومها نحو مليوني ريال يمني، لكن إصراري أقوى بالرغم من كل ذلك، وأعمل جاهدةً على توفير الرسوم والاحتياجات المعيشية وتوفير الأدوية لشقيقي المريض”.

أُصيب شقيق سميرة الأصغر بجلطات دماغية قبل فترة أدّت إلى فقدان بصره، الأمر الذي ضاعف من الصعوبات التي تواجه سميرة في حياتها المهنية، تقول: “مرضُ أخي سبب لي ضغوطات مادية ونفسية عالية. أذهب إلى العمل والجامعة وذهني مشغول به، خصوصا أن الأطباء لم يتمكنوا من علاجه، وهذا يقلقني كثيرًا”.

تُشير سميرة إلى أن المضاعفات الصحية لدى شقيقها، وقع بسبب رفض مصلحة الأحوال المدنية بالمدينة منحه بطاقة شخصية، بحجة أنه ليس مواطنا يمنيا، رغم تقديمها لجميع الوثائق القانونية والعائلية التي تثبت جنسيته اليمنية. ترى سميرة أن ذلك الرفض مثّل “صدمة” له في بداية مشواره في الحياة؛ لأنه كان يطمح كثيرًا في دراسة الجامعة، وكان مستواه التعليمي ممتازا في مرحلة ما قبل الجامعة.

“التمييّز” دفعها للتفوق والدفاع عن المهمشين

يعاني أبناء فئة المهمشين تمييّزًا عنصريًا من مختلف فئات المجتمع اليمني؛ لأسباب تتعلق بأصولهم ولون بشرتهم “السمراء”، وقد لحق ذلك التمييّز سميرة وهي طفلة أثناء دراستها في الثانوية، لكن ذلك كان سببًا في دراستها تخصص شريعة وقانون، وجعلها تسعى بدأب لتحضير دكتوراه في القانون الدولي الإنساني.

تقول سميرة: “في أثناء دراستي في المدرسة حصل لي موقف من المعلمة، وسبب لي جرحا شديدا، وذلك عندما ميزتني عن بقية الطلاب في الفصل، فتولّد لديّ دافع قوي في دراسة القانون، لكي أناهض التمييّز العنصري، وأدافع عن قضايا أبناء جلدتي وأعمل في الدفاع عن حقوقهم”.

وتستطرد قائلةً: “منذ أن تخرجت من الجامعة وأصبحت محامية، لم أتغاضَ عن أي انتهاك يتعرض له المهمشون، ولم أرفض أي قضية حقوقية أو قانونية تخصهم، وكان عليّ لزامًا أن أغيّر من واقع المهمشين وأن يكون لي بصمة في التغيير، وأن أسهم في انتشال أبناء جلدتي من بؤس واقعهم”.

عملت سميرة على تبني كثير من قضايا المهمشين والدفاع عنهم واستعادة حقوقهم عبر القضاء في محاكم المدينة، بشكل طوعي وبجهود ذاتية، ولديها مكتب خاص للمحاماة مع مجموعة محاميين، وتستقبل كثيرا من القضايا، كما تقول، لأفراد من فئة المهمشين ومن خارج الفئة أيضًا.

حماية النساء المُعنفات

تترأس سميرة جمعية “عمّار الأرض”، وهي جمعية تنموية وحقوقية أسستها عام 2014 بجهود ذاتية، ونشاطها مجمّد حاليًا، لكنها تمكّنت في الجمعية سابقًا من تنفيذ كثير من المشاريع، أهمها تبني مبادرة تعليمية لأكثر من 1000 طالب وطالبة، بخمس مدارس في المدينة، بالتنسيق مع مكتب التربية والتعليم، وذلك عقب اندلاع الحرب خريف 2015، وهي التي تسببت حينها بتوقف التعليم في المدارس جراء المواجهات العسكرية، كما تقول.

تتابع سميرة: “مظاهر الحياة توقّفت في بداية نشوب الحرب، لكنني أردت أن أعيد الحياة للأطفال من خلال استمرارهم في التعليم بعد أن توقف وانهار النظام التعليمي في كثير من المؤسسات التعليمية حينها”.

وفي إطار أنشطة الجمعية، بادرت سميرة في مدّ يد العون للسجينات والنساء المُعنّفات من فئة المهمشين وخارجها؛ إذ عملت على توفير الحماية القانونية لهنّ إلى جانب إيواءهنّ، بواقع 20 سجينةً في فترة محكوميتهنّ وبعد انتهائها في الإصلاحية المركزية بتعز، وما زالت تتابع وتتبنى عددا من قضايا السجينات والمعنفات حتى الآن بشكل طوعي.

وفي الفترة الأخيرة، تقول سميرة إنها تبنت قضية الطفلة المهمشة “رسائل” التي تعرضت للاغتصاب، وقامت بإيوائها والدفاع عن حقوقها، وما زالت الجلسات تُقام بالمحكمة حتى اليوم، وتواصل في متابعة القضية عن كثب إلى أن تأخذ حقوق الطفلة وتنصفها قضائيًا من الضالعين في اغتصابها والتسبب لها في معاناة ومضاعفات صحية عميقة.

لم تقف مسيرة سميرة هنا فقط، بل عملت في وظيفتها بمكتب الشؤون الاجتماعية والعمل، على التحقيق بكثير من قضايا الفساد المالي والإداري في المكتب. وعلى إثرها أدانت كثيرا من الموظفين الذين أُحيلوا للقضاء، في بداية عملها وترؤسها قسم التحقيقات، ثم مرورها في سلسلة من التعيينات والمناصب والترقيات، إلى أن حصلت، بإرادتها وعزيمتها، على منصب مدير الشؤون القانونية في المكتب حاليًا، إضافةً إلى حصولها على دعم وتشجيع من إدارة المكتب السابقة، كما تقول.

حلم التمكين

على الرغم من الدرجة العلمية والمركز الاجتماعي والوظيفي الذي حققته سميرة، لم تحصل على التمكين السياسي والمشاركة في المؤتمرات، ولم تمثل المرأة المهمشة والمرأة اليمنية. وتذكر أنه، في مؤتمر الحوار الوطني الذي عقد عام 2014، لم تُمثل المرأة المهمشة فيه على الإطلاق بالرغم من تمثيل أبناء الفئة عمومًا، وهذا ما تعاني منه المرأة المهمشة المؤهلة في الوقت الحالي وتحلم به، بحسب سميرة.

وترى سميرة أنه من منظور قانوني كان يحق للمرأة المهمشة المشاركة في مؤتمر الحوار، سواء أكان لتمثيل المرأة اليمنية عمومًا، أم لتمثيل فئة المهمشين خصوصا، لكن الفرصة لم تُتح للمرأة المهمشة في المشاركة في ذلك المؤتمر أو في مؤتمرات أخرى وندوات وفعاليات أو مناسبات سياسية، على المستوى المحلي والإقليمي.

وفي هذا الخصوص، تشير دراسة أعدها مركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية عام 2020، إلى أن المرأة المهمشة لم تحصل على التمكين السياسي أو الاقتصادي، وتواجه النساء والفتيات من مجتمع المهمشين تحديات تختلف عن التحديات التي تواجه النساء اليمنيات الأخريات، وتتأثر بعدة عوامل، منها مكان إقامتهنّ ومستوى تعليمهنّ، وظروفهنّ الاقتصادية، ووضعهن الأسري، وشخصياتهن.

ووفقًا للدراسة، تواجه النساء المهمشات أيضًا تمييّزًا وتحيّزا “مُمنهجين” في سعيهن للحصول على فرص العمل وتأمين الخدمات الأساسية، إضافةً إلى أنهنّ الأكثر عرضة للانتهاكات من النساء في المجتمع اليمني؛ إذ يُجبرن على أعمال خطيرة وشاقة لكسب الدخل، سواء في كنس الشوارع، أم التسول، أم بيع السلع في الأماكن العامة التي قلما توجد فيها نساء يمنيات من غير فئة المهمشين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.