عبير.. شابةٌ مهمّشة أحبّت التعليم وقهرت في سبيله كلّ الصعاب

عائلتها كانت أشواكًا في دربها

‏  4 دقائق للقراءة        756    كلمة

حلمت أن تختم كتاب الله حفظًا وأن تتعلم وأن تلمس حاسوبا، لكن كل ما حولها رفض أحلامها. عائلتها كانت أشواكًا في دربها؛ لذا قررت أن تمضي معظم وقتها فيما تحبّ كي تحظى بأبسط حقوقها فتاةً مهمشة.

عبير محمد فتاة عشرينية من إحدى ضواحي مديرية السياني بمحافظة إب. كانت طفلةً تسترق السمع من نوافذ الفصول الدراسية أثناء خروجها لرعي الأغنام أو تجميع الحشائش للأبقار. منعها والدها من زيارة المدرسة لأنها مهمشة لن يتحسّن مستقبلها مهما فعلت، ونصحها مرارًا بتقبل حياتها كما هي وأن تتبع أسلافها، وأجهض كل محاولاتها للنهوض.

والدتها أيضا كان كل ما يهمها هو قيام ابنتها الوسطى بجميع الأعمال المنزلية ورعاية المواشي جيدًا، لكن عبير لم تستسلم لوضعها. كانت تترك المواشي لترعى نفسها بنفسها وتذهب للمدرسة سرًا.

حين اكتُشف السر

لفتت الطفلة عبير أنظار المدرسين في مدرسة القرية، فسمحت لها الإدارة المدرسية بالدخول والاستفادة، كما حاولت إحدى المعلمات مساعدتها في استكمال إجراءات التسجيل طالبةً في الصف الأول الابتدائي عن عمرٍ لم يقل عن 9 أعوام، وكان ذلك من دون علم أهلها، وظلّ لمدّة لم تزد عن عام واحد، وكانت فيه تحضّر بتقطّع لظروفها.

تحكي عبير أنها كانت تخبّئ دفاترها وأقلامها في مكانٍ ما بزريبة الأبقار، وكانت تستذكر دروسها عند قيامها بالرعي وتجميع الحشائش، لكن أخاها كشفها ذات غفوةٍ منها. حينها تتذكر عبير أن والدها ضربها وكأنها ارتكبت جريمة، وأن والدتها لم تشفع لها، لكن الخبر سرعان ما انتشر في القرية، فزار وفد من المدرسة والد عبير لإقناعه بتعليم الفتاة التي أبدت رغبتها، كما عرض بعض الأعيان كفالتها ماديًا حتى إكمال الثانوية، وبهذا بدأت عبير بحضور المدرسة بشكل دائم خلافًا لأخواتها الثلاث وإخوانها الأربعة.

خلال تلك الفترة مرّت عبير باختبارٍ قلّ أن تتجاوزه طالبة، وكانت مضطرة -على حد قولها- لتنفيذ كل اشتراطات العائلة، وتحكي أنها تحملت مسؤوليات فاقت سنها بكثير في سبيل تحقيق حلمها بأن تتعلم.

اشتراطات العائلة

تحكي عبير تجربتها مع التعليم بقولها: “كان جميع أفراد العائلة يبتزّني بالعلم نقطةَ ضعف لي، وكانت أخواتي يحملنني أعباء إضافية من أعمال المنزل، وإن قصّرت في شيء يهددونني بإيقاف التعليم، كانوا يلقون باللوم على المدرسة، ولم يكن الخطأ مني مبررًا بخلاف البقية”.

تصحو عبير في الرابعة فجرًا لإعداد طعام الأبقار الثلاث، ثم تخرج لتجمع ما يكفي البقر لليوم التالي ولرعي الأغنام في آن، تعود مع السابعة صباحًا لتعد ما تيسر من الفطور لها وللعائلة ثم تذهب إلى المدرسة.

تعود من المدرسة لإعداد وجبة الغداء مع أخواتها، ثم تخرج للرعي ولحلب الغنم أو البقر كما تأمرها والدتها، وتحاول المذاكرة أثناء العمل. وتشير عبير إلى ماضيها وتتذكر أنها كانت غالبًا ما تنام بين الحشائش في الوادي أو في الزريبة، ولا تصحو إلا إذا تفقدها أحد أفراد العائلة حال احتياجه لخدمةٍ ما.

بعد الثانوية

تخرّجت عبير من الثانوية بامتياز، وحلمت حينها بإكمال الدراسة الجامعية لولا الإمكانات المادية الضعيفة ورفض عائلتها القاطع لمغادرتها المنزل تحت أي عذر. قرّرت أن تنتسب لدار عمر بن عبد العزيز في قرية “ذيشراق” التاريخية، وكان دارًا لتحفيظ القرآن الكريم وللتنمية النسوية، وذلك قبل إغلاقه عام 2015 بسبب تحويله مأوى للنازحين. تقول عبير: “ما أقنع أهلي هو توفير الدار لمواصلات يومية توصلنا مجانًا للمنزل، وقد انتسبت للدار مجانًا، مع قيامي بمسؤوليات تكبر كلما تقدمت في العمر”.

خلال أقل من عام واحد حفظت عبير كتاب الله، وحصلت على الإجازة برواية حفض عن عاصم، رغم أن نظام الدار هو الدبلوم في سنتين خلالها تحفظ الطالبة ما تيسر لها من كتاب الله، وحصلت خلالها على رخصة محلية في قيادة الحاسوب، وأجادت استخدام برامج “مايكروسوفت أوفس” بأجهزة الحواسيب المتوفرة في الدار نفسه.

شهادات أخرى

يقول المعلم في دار عمر بن عبد العزيز الأستاذ أحمد قاسم: “إن عبير كانت من أكفأ طالباته وأفضلهن متابعةً وأسرعهن فهما”، وتشير أستاذة الحلقة القرآنية أ. أماني غانم إلى انبهارها بإتقان عبير للتجويد وحسن صوتها في التلاوة وسرعتها في الحفظ ومهارتها في التفسير.

زميلات أخرى لعبير ينظرن إليها قدوةً تستحق كل التقدير. تقول أسرار محمد (25 عاما): “إن عبير اجتازت الصعاب وحقق حلمها بإرادة فولاذية، وإنها من أفضل الطالبات خَلقًا وخُلقًا، وهي ترجو أن تغدو مثل عبير برقيها وعزيمتها الصلبة”. جارة عبير في القرية أم وسام تؤكّد أنها كانت تقوم بجميع أعباء المنزل بين تنمّر أخواتها، وعدم تعاطف والدتها، وأنها لم ترد الإساءات كلها إلا بالإحسان، وتذكر أن عبير صبرت كثيرًا حتى نالت الامتياز عن جدارة واستحقاق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.