قاصرات “مهمشات” في عش الزوجية

عرائس في مصيدة الموت

‏  9 دقائق للقراءة        1622    كلمة

“غصبني أبي على الزواج، عندما كنت طفلة أقضي يومي كله في اللعب مع أطفال الجيران”، بهذه العبارة تسرد نجود معاناتها مع والدها الذي أجبرها على الزواج حين كانت طفلة في الثالثة عشرة من عمرها، حيث تقول: “وجدتني أرتدي الفستان الأبيض عنوة، أنا التي اعتدت على قضاء يومي باللعب والتجول في “محوى” المهشمين الذي أنتمي إليهم”.

نجود أحمد (23 سنة)، من محافظة تعز، زوَّجها والدها قبل عشر سنوات قسرًا على رجلٍ يكبرها سنًّا بثلاثة أضعاف، لتجد نفسها فجأة قد أصبحت عروسًا وزوجةً لا تفقه في أمور الحياة الزوجية، ولا تعرف عنها والتزاماتها شيئًا، لتقضي أيامها في منزل الزوجية باحثة عن زوايا تمارس فيها طفولتها.

تقول نجود في حديثها لـ”خيوط”: “تزوجت وأنا طفلة، لا أعرف معنى الزواج ولا كيف أتعامل أو أتفاهم مع زوجي، بل كنت أخاف منه، فهو يكبرني كثيرًا”، معقبة أنها كانت تبكي إذا لم يعطها “جعالة” (حلويات).

عرائس في مصيدة الموت

يعتبر زواج القاصرات ظاهرة منتشرة في المجتمع اليمني، وقد زادت الحرب من اتساعها كثيرًا، خصوصًا في أوساط المهمشين، حيث بدأ الآباء يسوقون فتياتهم الصغيرات إلى مصيدة الموت؛ تنصُّلًا عن مسؤوليتهم تجاههن أو طمعًا في مهورهن.

وأظهرت  دراسة حديثة خاصة بالمهمشين، صادرة في سبتمبر/ أيلول الماضي 2021، عن مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، واقتصرت على محافظات تعز وصنعاء وعدن، وتضمنت مصفوفة بيانات أظهرت النسب المئوية لتزويج طفلات بين  الفئة العمرية من 10-18 عامًا، إذ وصلت في مدينة تعز فقط إلى 17.9% عام 2014 من عدد الفتيات المهمشات، وفي العاصمة صنعاء بنسبة 27% حتى عام 2020، وفي العاصمة المؤقتة للحكومة المعترف بها دوليًّا عدن بنسبة 6%.

وأشارت إلى ارتفاع معدلات الزواج المبكر في أوساط المهمشين بعموم محافظات اليمن، خصوصًا خلال سنوات الحرب، فيما تقدر منظمة “اليونيسف” أن أكثر من 4 ملايين طفل من جميع فئات المجتمع تزوجوا قسرًا في البلاد عام 2021.

مؤشرات خطيرة

باعتبار أن الحياة الزوجية تسودها الكثير من الالتزامات والمسؤوليات الأسرية التي لا تستطيع أن تتحملها طفلة قاصرة، فقد تحدد سن الزواج وفقًا لقوانين الأحوال الشخصية في مختلف دول العالم، بعمر 18 سنة، حيث تصبح الفتاة ذات أهلية للزواج.

في اليمن، حدد قانون الأحوال الشخصية الذي صدر بقرار جمهوري سنة 1992، السن الأدنى للزواج عند بلوغ 15 عامًا، ولا يصح تزويج الصغير ذكرًا أو أنثى قبل بلوغ هذا السن، وفق ما نصت المادة رقم (15) من القانون، لكن لا يتم العمل بذلك القانون، خصوصًا في فئة المهمشين.

ارتفعت حالات الوفاة بين النساء اليمنيات عمومًا إلى أكثر من 500 حالة وفاة في كل 100 ألف حالة ولادة بين عامي 2019 و2020، ولا يوجد إحصائية خاصة بالنساء المهمشات التي يتم تزويجهن في سن مبكرة، ويتعرضن لمضاعفات الحمل والولادة والتي قد تودي بحياتهن، إلا أنهن يمثلنّ نسبة كبيرة من هذه الإحصائية الرسمية التي اطلعت عليها “خيوط”.

تحكي نجود عن معاناتها فترة زواجها الذي لم يستمر إلا لثلاثة أشهر قائلة: “عانيت في تلك المدة القصيرة كثيرًا، وأمضيتها في مشاكل مع زوجي، وقد ضاعف حملي في الشهر الثاني من زواجي، من تلك المعاناة كثيرًا”؛ حيث إن جسدها النحيل البالغ من الوزن 35 كيلو، لم يعنها على تحمل أعباء الحمل، حيث تقول: “تعتبت جدًّا وتدهورت صحتي أثناء الحمل والولادة، وما زلت أعاني حتى الآن بسبب الولادة، ومن يوم ولادتي أصبحت أعتبر الولادة (غريم الموت)”.

الدوافع والأسباب

تتعدد أسباب زواج القاصرات في فئة المهمشين، حيث يذهب الدكتور ياسر الصلوي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة تعز، إلى القول إن حالة الفقر المدقع والتهميش وانتشار الجهل في أوساط هذه الفئة، أخطر الأسباب التي تدفعهم إلى تزويج فتياتهم قبل بلوغ السن القانوني، غير مدركين مخاطر ذلك الزواج.

ويضيف في حديث لـ”خيوط”، أن فئة المهمشين أفقر فئات المجتمع اليمني، وهي طبقة معوزة جدًّا وتفتقر لأبسط الخدمات الأساسية، ما انعكس بدوره سلبًا على حياتهم ودفعهم لتزويج فتياتهم للتخفيف من الأعباء المعيشية دون وعي بمخاطر ذلك”.

ويتفق مع هذا الرأي عبدالغني عقلان، رئيس جمعية التنمية من أجل الدمج وأحد أبناء الفئة، إذ يرى أن الفقر والحاجة المادية هي من تدفع الآباء إلى تزويج بناتهم قاصرات، لأنهم يعتبرون أنّ زواج البنت نوع من أنواع ترتيب الوضع المالي عن طريق الاستفادة من المهر الذي يتقاضاه الأب مقابل زواج ابنته، إضافةً إلى تدني مستوى الوعي بأضرار ومخاطر الزواج المبكر من قبل أولياء الأمور، مشيرًا إلى أنه يجب أن تعمل المنظمات والمؤسسات المعنية على توعيتهم في هذا الجانب؛ لأن هناك قصورًا كبيرًا فيه.

ويوضح عقلان لـ”خيوط”، بقوله: “عدم ارتباط الفتيات المهمشات بالتعليم والمهارات المهنية وإدارة الأعمال، وغياب المشاريع الخاصة كبقية نساء المجتمع، جعلها عاطلة وتعاني من الفراغ العاطفي بنظر بعض الأسر؛ ما يدفعهم لتزويجهن في سن مبكر”، مشددًا على ضرورة التمكين الاقتصادي والتأهيل العلمي للمرأة المهمشة من قبل منظمات المجتمع المدني والجهات المعنية.

بحسب تقرير لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، اطلعت عليه “خيوط”، فإن الفقر وانعدام الأمن من الأسباب الجذرية لتزويج الأطفال والزواج المبكر والقسري، لا سيما في المناطق الريفية وأوساط المجتمعات المحلية الأشد فقرًا التي تعتبر -غالبًا- الزواج وسيلة لضمان الكفاف الاقتصادي للفتيات والنساء اللواتي ليست لديهن إمكانية الوصول إلى الموارد، واللواتي يعشن في حالات فقر مدقع، مشيرًا إلى أنه قد يكون لتزويج الأطفال مزايا اقتصادية، من قبيل مهر أقل للعرائس الأصغر سنًّا.

زواج فاشل

يجب أن يبنى الزواج على التفاهم والتكافؤ ليحقق أهدافه، التي في أعلاها خلق حالة من الاستقرار، وهذا ما لا يحدث في الأغلب حين تتزوج الفتاة قبل بلوغها السن القانوني.

يقول الصلوي: “العلاقة بين الزوجين في هذه الحالة تكون غير منسجمة، وتحصل مشاكل كبيرة بين الأسر وتتسبب في تفككها ونشوء الطلاق، الأمر الذي يضع الفتيات في دائرة جديدة من المعاناة، وتصبح عبئًا على أسرتها، وتتشكل حلقة مفرغة من الفقر والتهميش بين أفراد الفئة، معقبًا: “هذا لا يساعد المهمشين على تغيير أوضاعها وحِراكهم الاجتماعي بحيث يندمجون مع المجتمع بشكل أفضل”.

ويشير إلى أن الفتاة الصغيرة تكون في مرحلة لا تستطيع فيها القيام بالكثير من الهمام الأسرية أو تحمّل الأعباء الأسرية، وليست متكيفة بدنيًّا ولا صحيًّا ولا اجتماعيًّا؛ وبالتالي تصبح حياة الفتاة تفتقر إلى الاستقرار، وتسود العلاقة الزوجية حالة من المعاناة والتوتر، وهذا بدوره يؤثر على طبيعة الحياة الاجتماعية بين الأسر المهمشة بشكلٍ عام.

تذكر نجود أنها عانت كثيرًا لتحصل على حقها في الطلاق من زوجها غير المكافئ لها عمريًّا، حيث تقول: “بقيت دائمًا بمشاكل، وكان زوجي يضربني ويعنفني، وهربت بيت أهلي وأنا حامل، وما قدرت أكمل معه، وأبي كمان كان يضربني ويشتي يرجعني بالقوة، لكني ما رضيت، ولما اقتنع قدمنا طلب للمحكمة، وجلسنا فترة نفعل جلسات، لأنه زوجي كان رافض بالبداية يطلقني”.

من جانبها، تؤكد المحامية وعضو الفريق القانوني لاتحاد نساء اليمن، أمل الصبري لـ”خيوط”، أنها صادفت الكثير من قضايا الطلاق سببها الزواج المبكر، وأن هناك نسبة كبيرة من تلك القضايا للنساء المهمشات، لافتةً إلى أن الزواج المبكر يعتبر انتهاكًا صارخًا لحقوق الطفولة في واقع أن الفتاة تتعرض للعديد من المشاكل الصحية والنفسية التي تودي بحياتها إلى الهلاك.

وتضيف الصبري، بأن الزواج المبكر يعد من أخطر الظواهر التي يعاني منها المجتمع اليمني، مشيرةً إلى أنه لا يوجد في الدستور اليمني قوانين ثابتة وملزمة تحدد سن آمن للزواج، غير أنه في مخرجات الحوار الوطني كان هناك اتفاق على وضع سن آمن لزواج الفتيات بنص قانوني يلزم الجميع بعدم تزويج الفتيات خارج حدود سن 18 عامًا، لكن لم يتم العمل به، خصوصًا في ظل الحرب التي اندلعت عقب الحوار.

اضطرابات وآثار نفسية

مع تعاظم المسؤوليات وكثرة الالتزامات الزوجية تتعرض الفتاة عند تزويجها قاصرةً، لضغط نفسي، ينعكس سلبًا على حياتها الاجتماعية وسلوكياتها وتصرفاتها.

تتابع نجود: “تأثرت حالتي النفسية طوال الثلاثة الأشهر التي بقيت فيها متزوجة، وكنت أفكر فقط كيف أهرب، ولا أنام إلا بحبوب (عقاقير) تساعد على النوم وأستخدم مهدئات الأعصاب، ولاحظت أنني أصبحت عنيفة ولا أطيق من حولي، دون إرادةً مني، لأنني كنت دائمًا في مشاكل مع زوجي، وخصوصًا عندما يتعامل معي بعنف شديد”.

وحول هذا تعقب الأخصائية النفسية، مروى العواضي: “عندما يتم تزويج الفتاة عمومًا بشكل مبكر من 10 – 18 سنة، تكون في مرحلة مراهقة، ويحدث عندها اضطرابات هرمونية، وينعكس ذلك على تصرفاتها وسلوكياتها بشكل عام، وتعتبر في مستوى عدم النضوج نفسيًّا وجسديًّا وجنسيًّا، فلا تكون قادرة على اتخاذ قرارات سليمة أو تتحكم في تصرفاتها أو تتحمل أعباء المنزل والقيام بالعلاقة الزوجية بشكل صحيح، وتنمو على إثر ذلك خلافات عميقة مع شريك حياتها”.

وتلفت العواضي إلى أن الصدمة النفسية للفتاة القاصرة تتزايد عند حدوث الحمل بشكل متسارع بعد زواجها، وتجد نفسها مسؤولة عن تربية طفل في حين أنها ما تزال في سن الطفولة أساسًا وتكبر المهام أمامها، وتدخل في دوامة من الاكتئاب والقلق والتوتر وتعيش ضغوطات نفسية كبيرة، تسبب لها مضاعفات صحية.

بعد نجاح نجود في طلاقها من زوجها، استمرت بتربية طفلها بمساعدة أسرتها، وعادت لمواصلة دراستها الثانوية، ودخلت هذا العام الجامعة، حيث كانت قد توقفت عنها في الإعدادية بسبب زواجها المبكر، كما أنها قررت أن تتزوج ثانيةً حين بلغت سن العشرين عامًا، حيث تصف تجربتها مع زواجها الثاني بقولها: “الآن في زواجي الثاني علاقتنا ناجحة، وأصبحتُ واعية جدًّا بالأمور الزوجية وعلى دراية بالحقوق الزوجية المتبادلة، وأستطيع أن أتفاهم مع زوجي بسهولة، وها نحن نعيش في انسجام وسلام”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذه المادة حصلت على الترتيب الثالث في المسابقة التي أقامها “صوت المهمشين” في يناير 2022 وهي منقولة من منصّة “خيوط” .

الصورة عن موقع العربي الجديد 2017

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.