انقطاع النت باليمن.. جمرة على قلوب المغتربين

‏  7 دقائق للقراءة        1318    كلمة

“ما إن سمعتُ والدي على الهاتف يقول: ألو، ألو، سارة بنتي! حتى انفجرتُ وغرقتُ في بكاءٍ هستيري”، بهذه الجملة اختزلت سارة فؤاد عودة التواصل مع والدها عقب انقطاع مفاجئ في النت لأربعة أيام بسبب ظروف الحرب. سارة مغتربة يمنية من محافظة إب في جمهورية السودان، وقد انتقلت قبل سبع سنوات في منحة دراسية لتكمل دراستها الجامعية هناك، وخصصت يوم الجمعة من كل أسبوع للتواصل مع أهلها في اليمن.

تصف سارة تجربتها بأنها مريرة، وتقول: “مع الأسف، لم أعرف السبب إلا بعد أن تلفت أعصابي تماما. فتحتُ النت يوم الجمعة كعادتي لأتصل بأمي وأبي وإخواني عبر الإيمو، نظرًا للتكلفة الباهظة للاتصال الدولي بالهاتف، ولكن لم يتصل بي أحد من الأهل في ذلك الموعد، ولم يسبق لهم أبدًا مثل هذا الغياب الفجائي والجماعي خلال سبع سنوات. حاولت أن أتواصل بالجيران والأهل البعيدين، ولكن لا جدوى”. تضيف سارة أنها لم تنم الليل، ولم تذاكر شيئًا في ذلك اليوم، وظلّت تفكر في سبب عدم حضور أهلها جميعا في الموعد.

وكانت الجمهورية اليمنية قد شهدت انقطاعا كليا للنت بين 21-25 من يناير 2021. وسائل التواصل الاجتماعي انقطعت فجأةً، وتوقّفت أعمال معظم الدوائر الحكومية والخاصة، كما تأثرت مهام بعض منظمات المجتمع المدني التي لا تعتمد في النت على شبكة الأقمار الصناعية.

مغتربون كُثر، مثل سارة، مرّوا بلحظاتٍ صعبة تحت رحمة القلق على أهاليهم وذويهم الذين يعيشون بين الحرب وتحت القصف المتواصل. وقد رصدنا لكم في هذا التقرير تلك اللحظات على لسان مواطنين يمنيين مغتربين في الخارج.

هموم مشتركة في الخرطوم

تقول سارة فؤاد: “كان لي صديقات كثيرات من محافظة عدن، وكُنّ متصلات بالنت، واتصالهن بالنت هو ما جعلني أستبعد أن محافظة إب تعاني من انقطاع النت. في واقع الأمر، كان اتصالهن عبر شركة (عدن نت)، وهي شركة يقتصر تزويدها بالنت على مدينة عدن، وهذا بخلاف شركة (يمن نت) التي تزوّد اليمن كاملة بالنت، وخرجت عن الخدمة آنذاك. في اليوم الثاني، ذهبت لجامعتي يبدو عليّ الإرهاق واليأس، وأنا أتمتم طوال الوقت بالأدعية ليحفظ الله أهلي من كل سوء”.

للمرة الأولى منذ سبع سنوات، تتصل سارة بأهلها دوليا بعد اقتراضها في اليوم الثالث ثمن الاتصال من أصدقائها السودانيين. وقد أجاب على الهاتف والدها. تحكي سارة عن تلك اللحظة: “ما إن سمعتُ والدي على الهاتف يقول: ألو، ألو، سارة بنتي! حتى أغلقتُ الخط، وانفجرتُ وغرقتُ في بكاءٍ هستيري لمدة عشر دقائق، ثم اتصلت مرةً أخرى كيلا يقلقوا عليّ، وأطمئن على حالهم”.

سارة طالبة في كلية الطب لا تجد وقتًا لمتابعة الأحداث أو المكوث على وسائل التواصل الاجتماعي، وقد عرفت سبب انقطاع عائلتها عن النت في اليوم الثالث، ولكنها ليست الوحيدة، بحسب قولها، التي مرت بهذه اللحظات المريرة، وقد تبادلت الهموم مع صديقاتٍ وزملاء وزميلات لها من الجالية اليمنية في مدينة الخرطوم.

عُلا سمير رفيقة غربة سارة، وطالبة جامعية من محافظة شبوة في جامعة الخرطوم، وتحكي أيضًا تجربة مماثلة لتجربة سارة، عدا أنها تمكنت سريعًا من معرفة سبب الانقطاع لتوفر البديل من خدمات شركة “عدن نت”، وكان لها أخ يسكن مدينة عدن، وتقول: “مع الأسف، في تلك الفترة لم ألتقِ بسارة، وإلا لواسيتها وأخبرتها بما حدث لتطمئن على أهلها”.

تضيف عُلا أنها سمعت بطالبات يمنيات في السكن الجامعي فقدن وعيهن بسبب الضغط العصبي، وقد تعافين فور عودة النت وتواصلهن مع الأهل والأصدقاء داخل اليمن، معظمهن من المحافظات الشمالية التي شهدت انقطاعا كليا من دون بديل.

“كدتُ أفقد صوابي”

عبد الله علي محسن مغترب يمني من محافظة تعز في المملكة العربية السعودية، يقول: “كان أبي متصلًا معي على تطبيق الواتساب، وكان يشكو لي الأوضاع الاقتصادية والأمنية، وبينما أحاول مواساته وأعده بإرسال بعض المال ليقضوا ديون العائلة، انقطع النت وغاب والدي. في البدء، لم أقلق لمعرفتي بظروف الكهرباء والشبكة، وحينما اختفى والدي لليوم التالي والثالث، كدتُ أفقد صوابي”. حاول عبد الله في اليوم الثالث والرابع الاتصال الهاتفي من دون جدوى، نظرًا لسوء التغطية في منزل والده الكائن بقرية من قرى مديرية صَبر المَوادِم في مدينة تعز.

يضيف عبد الله: “فقدتُ ثلاثة من أهلي في قصف سابق على المدينة، وأخي الكبير يعمل في منطقة تماس بين صبِر ودِمنة خَدِير، ووالدي رجلٌ مسنّ يبقى في المنزل لإدارته وحماية النساء والأطفال، ويعتمدون على ما أرسله من حوالات مالية اعتمادًا شبه كامل”. يصف عبد الله قلقه بالجنوني، وأنه قد شهد كوابيس كثيرة حول وفاة عائلته تحت القصف، وانهدام المنزل عليهم. كان عبد الله لا يتابع الأخبار. في اليوم الرابع، صارح أحد زملائه بالعمل، فأخبره بأن النت انقطع عن اليمن كلها.

تناول مهدئات وأدوية للاكتئاب

مجدي حسن مغترب من محافظة حجة في جمهورية الجزائر، يقول: “قبل انقطاع النت بثلاثة أيام، كنت مع زوجتي على الهاتف، وكانت تشكو لي أذية بعض الشباب الغرباء في فترة الليل، فأمرتها بمغادرة المنزل والذهاب إلى بيت والدها؛ لأنها كانت وحيدة، ومنزلي في منطقة بعيدة قليلًا عن المناطق المزدحمة بالسكان، وقد تواصلتُ بأخيها ليحضر ويأخذها للاطمئنان أكثر”.

يضيف مجدي أن زوجته طلبت مهلة لمدة أسبوع كي ترتب أمورها أكثر وترفع حاجاتها الثمينة خشية سرقة البيت. وفي ذلك الأسبوع، رافقها أخوها الأكبر في المنزل”. لم ينقطع الأذى، وقد قال صهر مجدي إنه يشك بأنهم سكارى ومسلحون، وقد تقدم بشكوى ضدهم في أقرب قسم الشرطة تجنبًا لأي مواجهة مباشرة معهم.

كان مجدي قلقًا على زوجته وابنته الصغيرة، وكان يتابع الموضوع باهتمام بالغ رغم انشغاله بالدراسة والعمل في آن. ويصف مجدي لحظات انقطاع النت عن العمل بأنها صعبة للغاية، ويقول: “اتصلت كعادتي بزوجتي عبر تطبيق الزووم، فلم تكن موجودة كعادتها. جربت الإيمو والواتساب والفيسبوك من دون جدوى. بعثت لها برسالة نصية لتفتح النت لأطمئن على حالهم، لكنها لم تفعل”.

يضيف مجدي أنه خشي أن يكون أولئك الشباب قد هجموا على منزله، وقد أرقته أفكار سوداوية بالاعتداء على عرضه، مع استمرار محاولاته للاتصال بهم خلال يوم ونصف من دون جدوى. يعترف مجدي بأنه تناول مهدئات وأدوية للاكتئاب وقد شعر بأنه عديم الحيلة، ومنهار عاجز عن حماية أهله. في أواخر ليل السبت، فتح مجدي الفيسبوك، فرأى منشورًا لأحد أصدقائه ينتقد الوضع، وانقطاع النت عن اليمن، فارتاح باله واطمأن قليلا.

رأى جنازة والده أمام عينيه

أنس أحمد مغترب ثلاثيني من إب في الولايات المتحدة الأمريكية، يقول: “لي والد مسنّ يعاني من أمراض عدة. زوجتي كانت قد اقترب موعد ولادتها، وقد قرر لها الطبيب عملية قيصرية لأسباب صحية. كنتُ قبل فترة انقطاع النت بقرابة شهرين على تواصل دائم بالعائلة لأعلم بالمستجدات”.

ومع انقطاع النت فجأةً، شعر أنس مباشرةً بأن والده توفى وأن الأهل يتهربون من إخباره. حاول التواصل هاتفيًا في اليوم التالي رغم كلفته، وعلم بأمر انقطاع النت من زوجته، ليطلع بعدها ويتأكد من الأخبار.

يقول أنس إنه عاش ليلةً عصيبة، فقد غرق في الكوابيس، وقد بكى كثيرًا لأنه رأى جنازة والده أمام عينيه، فضلًا عن قلقه على زوجته التي وضعت مولودها الأول في الـ22 من يناير 2022 في أثناء انقطاع النت. ويضيف أن كثيرا من الجالية اليمنية في الولايات المتحدة الأمريكية قد غاصوا في القلق لانقطاع الاتصال بأهاليهم في الوطن، خصوصا الواقعين في خطوط النار ومناطق المواجهة بين أطراف الصراع.

وقد عبر عن ذلك القلق مغتربون يمنيون كثر من شتى أنحاء العالم فور عودة النت في صفحاتهم الشخصية في وسائل التواصل الاجتماعي، ذاكرين عودة الروح إليهم عقب ظهور أهلهم وأصدقائهم على صفحاتهم بالفيسبوك.

يتجاوز عدد اليمنيين في الخارج، وفقًا لإحصاءات رسمية حديثة صادرة عن وزارة المغتربين، 7 ملايين شخص، وهم يمثلون أكثر من 28% من إجمالي السكان و40% من إجمالي القوى العاملة، وتُقدّر تحويلاتهم النقدية الرسمية وغير الرسمية بأكثر من عشرة مليارات دولار سنويًا بحسب الوزارة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.