رحلة المهمّشات في جمع الحطب… معاناة ابتهال أنموذجا

‏  6 دقائق للقراءة        1086    كلمة

في علاقة معقدة لا تكاد تكتمل إلا ويقول الفراق كلمته، لا تحلم النساء المهمشات بأسطوانة غازٍ، وذلك في ظل ارتفاع متزايد لأسعاره، ومحدودية التوزيع الحكومي، وارتفاع نسبة الفقر بين أوساط هذه الفئة، بحسب حديث المختصة في علم الاجتماع لصوت المهمشين الأستاذة حليمة محمد.

وتضيف حليمة أن المشكلة واقعة منذ ما قبل الحرب، وحين لم تكلف حينها الأسطوانة سوى 500 ريال يمني (نحو دولارين ونصف بسعر الصرف قبل الحرب)، بينما يصل سعر الأسطوانة أحيانا في المناطق الواقعة تحت سيطرة جماعة أنصار الله الحوثيين إلى 15 ألف ريال (25 دولارا أمريكيا)، وفي المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة هادي يبتاع المواطن الأسطوانة بما يقرب من 17.500 ريال (22 دولار أمريكي)، وهو الأمر الذي يجعل اعتماد نساء المهمشين على الحطب والمخلفات الورقية.

“الغاز المنزلي ترف من الكماليات”

ابتهال علي ناجي، إحدى ربات المنازل من فئة المهمشين، وأم لخمسة أطفال من إبّ تقول: أستخدم الحطب الذي أجمعه مع بزوغ الضوء، وإن احتجت إلى المزيد، أجمع بعض الكراتين من الشارع لأعد طعام أطفالي وزوجي. أما الغاز فمن الكماليات”.

في السياق نفسه، نجد النساء من المهمشات في عموم مناطق الجمهورية يتفقن مع ابتهال. تشير آمنة وهب، وهي أم لسبعة أطفال من مخيم الكدحة جنوب غرب تعز إلى التنّور الحجري وسيلة وحيدة لإعداد الطعام، وتذكر أن الغاز المنزلي أصبح ترفا من الكماليات في وضعٍ لم يجدوا فيه ما يأكلونه أو خيمةً تقيهم برد الشتاء.

تضيف رقية إحدى جارات آمنة في اللقاء نفسه أن أسعار الغاز المنزلي أصبحت باهظة وفوق قدراتهم المالية، وأن عملية التوزيع تخضع غالبًا لمعايير عنصرية، ولا يحصل المهمشون على حصتهم من الغاز المنزلي إلا فيما ندر.

تشير الإحصائيات التي جمعناها عبر استبيانات شفهية استهدفت 5 تجمعات للمهمشين في عدة محافظات يمنية إلى أن 70% من فئة المهمشين لا يملكون أسطوانات للغاز المنزلي، وأنهم لا يعتمدون عليه بأي حال من الأحوال.

روتين الحياة عند ابتهال

تصحو ابتهال قبل بزوغ الضوء، تتحسس الظلام لتصعد نحو أقرب جبل تحصل منه على حزمةٍ من الحطب، تعود مسرعةً قبل أن يصحو أطفالها الخمسة، وتبدأ بإيقاد الشعلة الروتينية لتعد بعض أرغفة الخبز.

يصحو الأطفال نحو المائدة، فترفع ابتهال نصيب الأب الذي ما زال يغطّ في نومٍ عميق. تكمل ابتهال مهمة إعداد الطعام ثم تبدأ بمهام أخرى، مثل ترتيب المنزل المتواضع وتغيير ملابس الأطفال الأكثر اتساخًا، ثم تأخذ كومةً من الملابس والأقمشة نحو أقرب بئر، فتقضي هناك بقية الصباح حتى فترة الظهيرة حين يجفّ الغسيل، تعود وعلى رأسها صرةً كبيرة نظيفة، وفي يدها وعاءٌ مملوءٌ بالماء.

تحكي ابتهال عن بقية أحداث يومها بأنها تعود ظهرًا لتحضر فطور زوجها الذي يصحو وقتها، ليذهب باحثًا عن عمل وجلسة للمقيل، وبدورها تبدأ مباشرةً رحلة البحث عن حطبٍ آخر لوجبة الغداء، ويساعدها في ذلك بعض أطفالها الذين يجمعون ما لا يصلح للنار غالبًا.

تكتمل مهمة إعداد الغداء عصرًا، وبعد أن تُشبع ابتهال كل البطون الخاوية، ترتاح قليلًا لتبدأ بالتفكير في حطب اليوم القادم، فتُخطط لزيارة بعض المناطق الوعرة التي تتوفر فيها أعواد يابسة من الحطب.

مخاطر متنوعة

تقول ابتهال: “ذات يوم قبل قرابة عام لدغني ثعبان في الجبل، وعالجت نفسي بنفسي بالشَّرِيم (آلة حادة مقوّسة تستعمل في تقطيع الحطب)، وعلى الرغم من معرفتي بأنه ملوث، فتحتُ مكان اللدغة ومصصتُ رجلي بفمي، ثم فقدتُ وعيي هناك ليلة كاملة”.

يحكي زوج ابتهال عن تلك الحادثة: “عدتُ كعادتي قرب العاشرة مساءً لأجد الأطفال يبكون جائعين. بدأت بالبحث عنها وأبلغت الجيران الذين خرجوا معي بأضواء خافتة للبحث عن ابتهال، وكان الجميع في تلك الليلة ينادون باسمها”.

ويضيف: “بحثنا عنها في جميع الأماكن المعهودة، فلم نجدها، ولم نتوقع أنها ذهبت إلى جبل نادرًا ما يرتاده رعاةُ الغنم؛ لأنه بعيد ومهجور وخَطِر. ظننتها هربت أو تخلّت عن عائلتها؛ لأنها قبل تلك المدّة كانت متذمرة ومجهدة ومتعبة، فبدأتُ فورًا بالتفكير في حلولٍ لإطعام الأطفال، والتساؤل: من سيطعمهم صباحا؟!”.

تُعقّب ابتهال: “صحوتُ من إغمائي مع بزوغ الضوء، وبأعجوبة لم أصب بضرر أكبر، ولم تجد الحيوانات الخطرة طريقها إليّ غير بعض الحشرات. نهضتُ بصعوبة لأحمل ما تيسر من الحطب، وعدتُ نحو المنزل وكل همي إنقاذ أطفالي من الجوع”.

تخبر نساء أخريات من فئة المهمشين مراسلتنا بأن المخاطر الصحية التي يواجهنها في رحلة البحث عن حطب تتفاقم يومًا بعد يوم، مثل الانزلاق في العمود الفقري والرضوض والأشواك والنباتات السامة والحساسية وغيرها، وأنهن يواجهن مخاطر أكبر جراء إطلاق الرصاص العشوائي لبعض مُلّاك الأراضي إذا رأوا مهمشة تجمع الحطب من أملاكهم الخاصة، ولو كان الجبل مهجورا.

جزاء ليس من جنس العمل

تفاجأت ابتهال بعد عودتها بالإشاعات التي وشت بهروبها، ومع المبالغات بدأ من حولها في الخوض بشرفها. تحكي ابتهال: “تفاجأتُ بالجيران ينصحون زوجي بتطليقي، والزواج من امرأة أخرى، وقبل أن يطمئن أحدهم على صحتي وحالي. كان شكلي رثًا للغاية، وبدؤوا بإلقاء الأسئلة: مع من قضيتِ ليلة البارحة؟!”.

غضبت ابتهال كثيرًا من جيرانها، وردّت لهم الإهانة بمثلها، كما انفجرت غضبًا في وجه زوجها الذي تركها في الجبل وحيدة، ولم يكن من جميع الحضور إلا التزام الصمت نادمين على سوء الظن.

تقول حصون (26 عاما) جارة ابتهال، “كانت ابتهال شجاعة جدًا رغم إرهاقها، وقد أخرست الألسن، وأشعرت رجالنا بضآلة حجمهم أمام جهود الزوجات، وأمرت الرجال بأن يتكفّلوا بشراء الغاز أو توفير الحطب على الأقل إن كان لديهم رجولة وقدرة على تحمل المسؤولية، وأمرتنا نحن النساء بعدم طاعتهم بأي أمر بعد اليوم ما لم يعملوا جنبًا إلى جنب مع زوجاتهم على بتوفير الغذاء والدواء بدلًا من النوم والبحث عن قات يحشون به أفواههم حتى منتصف الليل”.

تجاوب غير متوقع

أعلن زوج ابتهال اعتذاره لها أمام الجيران، وبدأ بعض الجيران في توفير الحطب، لعدم قدرتهم المادية على شراء الغاز المنزلي. يقول زوج ابتهال: “لزوجتي كل الحق في الغضب، وأنا قد يئست تماما من وضعي لدرجة أني عشت خلال المدة الماضية باتكالية تامة عليها، لكنها علمتني بعزيمتها أنها لم تستسلم وقاومت الأزمة، أعتقد أن ذلك الثعبان قد لدغني أنا لأستفيق وأعرف خطئي”.

ليست ابتهال وحدها بل معظم الزوجات من جاراتها قد واجهن مخاطر عدّة أثناء رحلات البحث اليومي عن الحطب، وفي قرار جماعي، التزم الأزواج بعد حادثة غياب ابتهال بتوفير ما يقدرون عليه من الحطب، ومساعدة زوجاتهم في الأعمال الخطرة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.