الأمراض المعدية تفتك بعُمّال النظافة… والتوعية غائبة

‏  5 دقائق للقراءة        1000    كلمة

الساعة تُشير إلى السادسة والنصف صباحاً، يحمل محمد درويش (27 عاما) مكنسته، يكنس الشوارع ويرفع المخلفات بيدين عاريتين، وأحذية مُقطّعة، وزيٍّ مُهترئ، ومن دون أدنى وسائل الحماية الشخصية، غيرَ مبالٍ بما قد يُصيبه من أمراض مُعدية بسبب المُخلفات التي يرفعها.

رغم برودة الجو، يقضي محمد ساعات طويلة بإخلاص وتفانٍ في تنظيف أحد الشوارع بالعاصمة اليمنية صنعاء. حال محمد لا يختلف عن حال ما يُقارب من 6 آلاف عامل وعاملة يعملون في تنظيف الشوارع في صنعاء فقط، ونحو 25 ألف عامل وعاملة على مستوى اليمن، وينتمي 95% من هؤلاء العمال إلى فئة المُهمشين، وفقا لمصدر في النقابة العمالية لموظفي صندوق النظافة والتحسين.

أمراض بالجملة

يدرك المجتمع اليمني أن عامل النظافة معرّض لكل الأمراض والأوبئة ويتعرض للمخاطر الصحية المختلفة نتيجة تعامله مع المخلفات. وتكمن الخطورة في التعامل مع المخلّفات التي تحتوي على مواد سامة، ومواد منتهية، ومواد كيمياوية، ناهيك عن المخلفات الطبية الأكثر خطراً حينما لا تُستعمل معها وسائل الوقاية والحماية مثل الكمامات والقفازات والأحذية الواقية وغيرها.

وصرّح مصدر مسؤول في إدارة التأمين الصحي بأمانة العاصمة صنعاء قائلا: “أُجريت كثير من الدراسات لحصر الأمراض التي يتعرّض لها عامل النظافة، وهي كثيرة، وأهمها الفيروسات الكبدية، وتمثل 40% من الأمراض التي يتعرض لها عمال النظافة، وكذلك أمراض الفطريات والأمراض البكتيرية، وقد يُصاب بالحساسية والأمراض الجلدية المختلفة نتيجة تعامله المباشر مع المواد الكيمياوية”. ويضيف: “يعاني بعض العمال من أمراض الصدر مثل (الربو)، وينتج عند التعرض لجزيئات الغبار بشكل مستمر ومباشر، وكذا التعرض للغازات الناتجة عن حرق القمامة، والأمراض الوبائية مثل الكوليرا، أنفلونزا الخنازير، وكورونا” حسبما ذكر.

على مقربة من محمد درويش، التقينا عامل النظافة عبد الله إبراهيم (30 عاماً)، وهو يعمل لدى شركة نظافة منذ ثلاث سنوات براتب شهري لا يتجاوز ثلاثين ألف ريال يمني (50 دولار)، بينما يعيل أسرة تتكون من ثمانية أفراد.

مُعاناة عبد الله لا تنحصر في الأجر الهزيل الذي يتقاضاه، فقد تعرّض لكثير من إصابات العمل الطفيفة والمتوسطة جراء تعامله مع المُخلّفات الطبية، وفي مُنتصف العام الماضي 2021، اضطر إلى تلقي علاجات وتطعيمات طبية على مدار ثلاثة أشهر، بعد إصابته بجروح في يده، سببها مشرط طبي كان مُلقى في أكياس المخلفات الطبية التي يجمعها، فهو يقوم بعمله من دون ارتداء قفازات خاصة، وقد كان يُفترض بالشركة التي يعمل فيها توفيرها له.

بدوره، يُشير الدكتور فهد الفهد اختصاصي أوعيه دموية قائلا: “عمال النظافة من أشد الفئات تضرراً من الأمراض المُعدية والأوبئة، وفي المقدمة فيروس كورونا، وذلك في ظل عدم توفر أدوات الحماية والسلامة المهنية، ومواد النظافة الصحية والوقائية”.

إمكانات محدودة

يقول حيدر سويد مدير دائرة التأمين الصحي: “نحن نحاول أن نوفر جميع الخدمات لعمال النظافة وأسرهم، لكن ضعف الإمكانات وحجم الشريحة المستفيدة من التأمين الصحي، كل ذلك يقف عائقاً كبير أمام الخدمات التي نقدمها، فقد بلغ عددهم (21815) مؤمَّنا عليه في عام 2021م”.

ويضيف: “قلة الموارد، وارتفاع أسعار الخدمات، ووجود أمراض خطيرة، كل ذلك يكلف مبالغ باهظة تتجاوز كل السقوف، فعلى سبيل المثال، أنفقت الدائرة في ديسمبر من عام 2021 ما يقارب (39,219,710) ريالات لعلاج نحو (3992) حالة مرضية، كل هذا يحدُّ من تقديم الخدمات بشكل أفضل للعاملين وأسرهم”، ويبيّن سويد قائلا: “علاج الحالات المصابة بالأوبئة مثل الكوليرا، وانفلونزا الخنازير وأخيراً كورونا، تكلفتها كبيرة وتأخذ مدّة أطول”.

غياب الوعي وبرامج التوعية

“أعمل منذُ سبع سنوات في هذه المهنة، وطوال هذه الفترة لم أتلقَ أي تدريب أو توعية بالطرق الصحيحة للتعامل مع المخلفات، وبالأمراض التي يمكن أن تُصيبني جراء تعاملي مع هذه المخلفات”. كانت هذه إجابة عامل النظافة درويش عن سؤالنا إذا ما كان قد تلقّى أي تدريب أو توعية بطرق التعامل مع المخلفات، وعن سؤالنا عن الأمراض التي يمكن أن يُصاب بها أثناء عمله.

من جانبها، تقول الباحثة الاجتماعية سبأ عبد الله: “إن هؤلاء العُمّال البسطاء لا يعرفون خطورة تلك النفايات وما قد تسببه لهم من ضرر جسدي ومعنوي ونفسي، فهم لا يعرفون الأمراض الفيروسية المنقولة بالدم، وفيروس تليّف الكبد، وفيروس الإيدز، وليس لديهم أدنى فكرة عن البكتيريا أو الفطريات”.

وتضيف سبأ لصوت المهمشين: “هؤلاء العمال لا يفقهون أبسط سبل الوقاية والحماية من مخاطر هذه المخلفات، ولا يملكون وسائل الحماية الشخصية التي يجب توفرها لكل عامل في هذا المجال”.

قوانين على الورق

تُشير نصوص المواد (113-118) من قانون العمل، والخدمة المدنية من الدستور اليمني إلى ضرورة وجود فحص دوري للسلامة المهنية ووسائلها لعمال النظافة، وهناك مجموعة من المواد الدستورية والقانونية العامة التي تحمي حقوق عمال النظافة، ومنها الحماية، وتوفير أدوات السلامة المهنية؛ إذ تنص المادة (6) ضمن أسس الدولة السياسية في دستور الجمهورية اليمنية على أنه “تؤكد الدولة العمل بميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وميثاق جامعة الدول العربية، وقواعد القانون الدولي المعترف بها”.

“هناك مجموعة من الحلول الممكنة التي تُسهم في الحد من المخاطر المحدقة بعمال النظافة، ومنها توفير وسائل السلامة المهنية، وتحسين مستواهم المعيشي”، يقول نعمان الحذيفي رئيس الاتحاد العام للفئات المهمشة في اليمن.

ويضيف الحذيفي: “لتحسين خدمات النظافة وحماية العاملين، يجب وضع برامج تدريب للعاملين، والسلطات المحلية في مجال النظافة لرفع مستوى قدراتهم على إنجاز مهامهم، وتحسين أدائهم، والاهتمام بالعاملين”. ويشير الحذيفي أيضاً إلى غياب دور منظمات المجتمع المدني بالضغط على أجهزة السلطة الحكومية، لوضع الخطط الهادفة لاستدامة العمل في الحفاظ على النظافة.

 

( أنتجت هذه المادة بدعم من منظمة “lnternews” ضمن مشروع “Rooted in trust” في اليمن)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.