الحاج زائد .. قصة جهاد رجل لرفع مكانة أولاده بالتعليم

صوت المهمشين - خاص

في بداية كل صباح، يخرج الحاج الخمسيني “زائد سيف” بعد ارتداء ملابسه الرثة تاركاً منزله في حي الإرسال بمديرية دار سعد شرق مدينة عدن جنوب اليمن، باحثاً عن قوت يومه الذي يحصل عليه مقابل عمله في “الحِمالة” ليعود عند كل مساء، ليحصد ما قد جناه من نقود بسيطة ليعيل أولاده (7 من الذكور والإناث) ويدفع تكاليف دراستهم الجامعية.

الحاج زايد سيف رجل في الخمسين من عُمره، ينتمي لمجتمع المهمشين، ويُقاوم ظروف الحياة الصعبة، ويعمل جاهداً في مهنة مُرهقة، ليُعين أولاده في تعليمهم، الذي يعتبره طوق النجاة من وضعهم الحالي، وليراهم في أعلى المراتب مُستقبلاً. تحكي قصة هذا الرجل الكفاح والبذل لأولئك الرجال من المهمشين الذي يسعون أن يكون أولادهم في سُلّم التعليم، ليغيروا واقعا جعلهم في أسفل درجة من طبقات المجتمع الأمية.

يقول زائد: “عشتُ يتيم الأب، ووالدتي تزوجت من آخر. وجدت نفسي لدى رجل تكفل بتربيتي وتعليمي، وكان حريصاً جداً على دراستي، وحين بلغتُ الثالثة عشر من عُمري تركتُ مدرستي بعد أن اخترت أن أعمل حمّالا”. ويضيف: “كانت هذه غلطة حياتي، ولطالما تمنيت أن أكمل دراستي، لكن غياب الأسرة والوعي في ذلك الوقت وقف عائقا بيني وبين تحقيق حلمي”.
يقول: “حاولت الاعتماد على نفسي والعمل في عدة مهن، حتى اخترت العمل في الحِمالة، وبعد ما تذوّقت مرارة الحياة، عرفت مكانة المتعلم. ومن هنا كان حُلمي أن تكون لي أسرة متعلمة، وبالفعل هذا ما حصلت عليه بعد أن تزوجت وأنجبت سبعة من الأبناء”، ويسترسل بالقول: “عاهدت نفسي أن أعمل بكل طاقتي ليكون أولادي في سلم التعليم، وأجدهم في مراتب عليا، وأن لا تكون حياتهم شاقة بعد ما تذوقته وشعوري بغلطتي”

من شدة حرصي عليهم في المدرسة كُنت أجعلهم يتناولون الفلفل الحار

كان ولا يزال الحاج زائد حريصا على متابعة دروس أولاده في المدرسة، والمتابعة اليومية لواجباتهم والاستماع لهم، والعمل لساعات وأيام طويلة من أجل تلبية كل متطلباتهم الدراسية، حتى تخرّج أربعة من أولاده من الثانوية العامة بدرجات عالية، ليقوم بتسجيلهم في مراكز تعليم اللغة الإنجليزية. يحكي الحاج زائد بعض المواقف الطريفة قائلاً: “من شدّة حرصي على ذهاب أولادي إلى المدرسة والتركيز مع المُعلّمين في الفصل، كنت أجعلهم يتناولون الفلفل الحار كي يكونوا يقظين داخل الفصل الدراسي، وينتبهوا للمعلمة”.

التعليم وسيلة الاندماج مع المُجتمع
كَبر أولاد الحاج زائد والتحق بعضهم بالجامعة، وما يزال البعض يُكافح ويعمل ليتمكن من إكمال ما بدأ به والدهم، ولم يتركوا أنفسهم عالة على والدهم، فأعلنوا تكثيف جهودهم لمساعدة والدهم وتوفير تكاليف دراستهم بأنفسهم.

عهود زايد (21 عاماً) تدرس في مستوى ثاني بقسم الأحياء بكلية التربية، وتعمل مُختصّة في شؤون المرأة في إحدى الجمعيات المهتمة بقضايا المهمشين. تقول: “أنا فخورة جداً بوالدي. بفضله وصلنا إلى هذا المستوى التعليمي، بالرغم من الوضع المعيشي وظروف الحياة والفقر والتهميش الذي كنا نعانيه في المدرسة من بعض الطلاب، ولكن بإصراره ونصائحه وتشجيعه لنا، أصبحت مُحبة لدراستي. لقد بثّ فيّ روح الإصرار. تغلبنا على كل تلك الممارسات والشعور بالنقص، وأصبحت في مجتمعي ذات قيمة، ولديّ كثير من الأصدقاء من كل الطبقات، ولا أشعر إطلاقاً أني من فئة مهمشة ومنعزلة”.

يُضيف شقيقها الأصغر عَهد (20 عاماً): “بفضل والدي وتشجيعه وكفاحه من أجلي، تخرّجت من الثانوية العامة، وحصلت على نسبة 90٪، واستطعت أن التحق بكلية الهندسة”. ويستمرّ: “أشكر الله ثم أبي على ما وصلتُ له، ولا يعني أني مهمّش وفقير أني لن أكمل دراستي. بالعكس، أنا أعمل في المساء على دراجتي النارية لمساعدة أبي في متطلبات المنزل ودفع تكاليف دراستي الجامعية، وأواظب على حضور المحاضرات عند الصباح”.

أما سيف ورائد فقد حصلا على تعليم متقدّم في اللغة الإنجليزية بعد تخرجهما من الثانوية العامة بتقدير جيد جدا، وهما يعملان في مساعدة والدهما بعد أن استطاع أن يفتح متجرا لبيع المواد الغذائية، فيما يعمل سيف في تجميع البلاستيك ثم بيعه ليجمع رسوم التسجيل في كلية الاقتصاد، فيما يحلم الآخر أن يدخل كلية الطب، فيما الثلاثة الأطفال (عبد الودود وخلود وخالد) فلا يزالون في مرحلتهم الأساسية، وينتظرون اللحاق بركب التعليم مع أخوتهم لتحقيق غاية والدهم ورفع مكانتهم في مُجتمعهم.

في زمن الحرب، لم يعد كل شيء مُتاحا، ومع ذلك لايزال المهمشون يسعون بكل ما بوسعهم من الخروج من فجوة العُزلة والأمية، وقد أصبح التعليم بالنسبة إليهم الوسيلة الوحيدة للاندماج في المجتمع، ورفع مكانتهم ليكون لهم أثر في بناء مُجتمعهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.