قبل الأوان.. أطفال مهمشون في ميدان العمل

‏  8 دقائق للقراءة        1489    كلمة

عند مرورك في أزقة وشوارع مدينة تعز تصادف كثيرا من الأطفال المهمشين تحت سن 15 عامًا، يفترشون الأرصفة ويعملون في حياكة الأحذية، وعلى الطرف الآخر يقع نظرك على آخرين يقفون بجانب صناديق القمامة يحملوها إلى المركبات الخاصة بنقل النفايات. أضحى هؤلاء الأطفال يعملون في سن مبكر في مهن شاقّة تفوق قدراتهم البدنية والعقلية، وقد ضاعفت من هذا الوضع الحرب اليمنية المستعرة للعام السابع تواليًا.

في أثناء تجولنا صبيحة أحد الأيام في شوارع حيّ المسبح وسط مدينة تعز، وجدنا الطفل مهند عمر سعيد (13عامًا) وشقيقه مراد الذي يصغره بثلاثة أعوام، على حافّة رصيف الشارع يعملان في حياكة الأحذية “السِّكافة” منذ أربعة أعوام، ليحصلوا في نهاية اليوم على مبلغ زهيد يصل إلى 5 دولار أمريكي، ويقل ذلك المبلغ إلى أقل من النصف في بعض الأيام عندما يكون العمل رديئًا، كما أخبرنا مهند.

يعيش مهند وشقيقه تحت كنف أسرته المكونة من سبعة أفراد، في أحد الأكواخ الخشبية بمجمع “الحُمرة” الخاص بالمهمشين في منطقة الضَّرْبة وسط المدينة؛ إذ كانوا قد نزحوا إليه بعد أن تعرّض منزلهم لدمار شمال بفعل قذيفة سقطت عليه بعد فترة قصيرة من اندلاع الحرب، وعلى إثر تهدّم المنزل على رؤوسهم، توفى أحد أشقائه.

يذكر مهند أن والدهم كان قد فقد عمله حينها، وأصبح عاطلاً وحالته الصحية لا تسمح له بالعمل مجددًا، وقام بتعليمهم الحياكة ليتمكنوا من مساعدته على توفير الطعام، خصوصًا مع ارتفاع التكاليف المعيشية جراء الانهيار الاقتصادي في البلاد، ولو كان ذلك يعود عليهم بمبلغ زهيد يصرفون منه طعامهم أثناء العمل، ويشترون بما يتبقى منه طعامًا لبقية إخوانهم عند عودتهم عشية كل يوم، ويضيف لصوت المهمشين: “أنا وأخي نكافح جدًا. أنا اشتغل في الصباح وأذهب في المساء للمدرسة، وأعود إلى أخي مراد الذي يستمر في العمل حتى المساء؛ لأنه لم يعد يدرس منذ ثلاثة أعوام بعد أن فصلته المدرسة بسبب بقائه في العمل وغيابه لأيام كثيرة”.

كيف توسعت الظاهرة؟!

كانت ظاهرة عمالة الأطفال منتشرة في اليمن قبل الحرب، لكنها أخذت تتوسع كثيرًا بعد اندلاعها، لا سيما في السنوات الأخيرة، بسبب فقدان كثير من الآباء لأعمالهم، والأسر لمعيلها الأساسي، إضافةً إلى تردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية في البلاد، لكن فئة المهمشين كان لها النصيب الأكبر من تداعيات الحرب، كما يرى نائب مدير مكتب الشؤون الاجتماعية بمحافظة تعز وأستاذ علم الاجتماع، الدكتور محمود البكاري.

الصورة لطفل يعمل في مجال إصلاح وتلميع الأحذية، تصوير وهب الدين العواضي، تعز، الإثنين 21 فبراير 2021

ويقول البكاري لصوت المهمشين: “إن هناك كثيرا من الأسباب التي دفعت كثيرا من الأطفال المهمشين إلى العمل في مهن صعبة فوق قدراتهم في غالب الأحيان، لكن تدهور الأوضاع المعيشية الناتجة عن الحرب يُعدّ السبب السائد في معظم الأسر التي دفعت بأطفالها للعمل بشكل عام حتى لدى الأسر غير المهمشة”.

ويضيف البكاري أن عمالة الأطفال، في الأساس، منتشرة في أوساط المهمشين من قبل؛ لأنهم فئة فقيرة وتعيش أوضاعا معيشية صعبة، ولتردي التعليم تشيع ثقافة عمالة الطفل لدى أفراد هذه الفئة بشكل كبير، ولضعف الوعي بحقوق الطفولة، ومن جهة أخرى كان عدم استشعار المسؤولية عاملاً مساعدًا يسهم في دفع أطفالهم للعمل مبكرًا.

مؤشرات خطيرة

بحسب دراسة خاصة بالمهمشين شملت ثلاث محافظات يمنية بينها تعز، وصدرت عن مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية مطلع عام 2020، أظهرت جداول بياناتها أن عمالة الأطفال المهمشين تحت سن 15 عامًا بلغت في العاصمة صنعاء نسبة 49%، وفي أمانة العاصمة نسبة 62%، وكانت في محافظة عدن بنسبة 10%، أما محافظة تعز فبلغت العمالة فيها للأطفال المهمشين نسبة حوالي 2%، مع الإشارة إلى أن الإحصاء الخاص بتعز يعود إلى عام 2014، بخلاف بقية المحافظات التي كان الإحصاء فيها حديثا ويعود إلى عام 2020.

ووفق تقرير أصدرته منظمة الطفولة “اليونيسيف” التابعة للأمم المتحدة في مايو 2022، يتناول انتشار ظاهرة عمالة الأطفال المهمشين، ويقتصر نطاق بحثه على محافظة عدن، تبين أن 10% (بواقع 488 طفلاً مهمشًا من الأطفال تحت سن 15 عامًا) منخرطون في شكل من أشكال العمالة، منهم 363 طفلاً من الأسر المقيمة، و125 طفلاً من الأسر النازحة.

وجاء في التقرير أيضًا أنه عند توزيع تلك النسب بحسب النوع الاجتماعي للطفل، فقد كانت عمالة الأطفال أكثر انتشارًا بين الذكور مقارنة بالإناث، وذلك بمعدل 11 نقطة مئوية، أما من حيث طبيعة الإقامة، فإن عمالة الأطفال في الأسر النازحة أعلى بحوالي 16 نقطة مئوية عنها بين الأطفال من الأسر المقيمة، ويشير إلى أن 5620 طفلاً مهمشًا لم يلتحقوا بالدراسة لعدة أسباب، أبرزها العمالة التي أجبرتهم على ترك مدارسهم.

طفولة.. حقوقها مسلوبة

ولوج الأطفال المهمشين إلى ميدان العمل في سنّ مبكر، حرمهم من حقوقهم الأساسية في عز طفولتهم كبقية الأطفال اليمنيين أو أطفال العالم، وأصبحوا يمتهنون أعمالاً شاقّة تفوق قدراتهم وبنيتهم الجسدية النحيلة، لكن عند النظر إلى واقع الأمر يتبين أن هناك أطفالا أجبرتهم الظروف على العمل، سواء بفقدان معيلهم الأساسي أو خسارة والدهم لعمله بفعل الحرب، وهناك آخرون دفع بهم آباؤهم إلى العمل مِن دون أدنى اعتبار لحياتهم وحقوقهم.

وفي هذا الخصوص، يُشير البكاري إلى أن الدفع بالأطفال عمومًا إلى العمل في سن مبكر يتعارض مع حقوق الطفل التي تنص عليها المواثيق الدولية والمحلية، وهي حقوق متكاملة في الأساس، مثل: حق التعليم، الأمن، الحماية، الصحة، وهذه الحقوق أصبحت مفقودة في المجتمع اليمني عموما، الأمر الذي جعل الأطفال مهددين بالمخاطر في الشوارع والأسواق، وجعلهم أكثر عُرضة للاستغلال.

وقد صدرت كثير من القوانين والمواثيق والاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الطفل وصادقت اليمن عليها، فقد أقرت الأمم المتحدة “إعلان حقوق الطفل” بموجب قرار الجمعية العامة المؤرخ في 20 نوفمبر من عام 1959، وينص المبدأ الثاني منه على أنه يجب أن يتمتع الطفل بحماية خاصة، وأن يمنح بالتشريع وغيره من الوسائل والفرص والتسهيلات اللازمة لإتاحة نموه الجسمي والعقلي والخلقي والروحي والاجتماعي نموًا طبيعيًا سليمًا، في جو من الحرية والكرامة، وعلى الرغم من كل تلك القوانين، لا تُطبق أو تراعى في اليمن، خصوصًا لدى الفئات الأشد فقرًا كحال المهمشين.

يقول المحامي والناشط الحقوقي، ياسر المليكي، لصوت المهمشين: “إن مسؤولية توسّع ظاهرة عمالة الأطفال المهمشين أو غيرهم، وما يرافقها من حرمان وتغييب لحقوق الطفل، تقع بدرجة رئيسية على الدولة التي يُفترض عليها حماية الطفولة وتوفير حقوق الطفل والعمل على إصلاح الأوضاع في البلاد وتمكين المهمشين والاهتمام بهم، حتى لا يدفعوا بأبنائهم للعمل في سن مبكر متجاوزين القانون”.

ويلفت المليكي إلى أن المسؤولية تقع أيضًا على الأسرة التي تدفع بأبنائها للعمل عن قصد أو غير ذلك، مشيرًا إلى أنه عليهم أن لا يعملوا على تحميل أطفالهم مشقات العمل ومسؤوليات ثقيلة تفوق قدراتهم، وأن لا يعرضوهم للمخاطر ولا يحرموهم من أبسط حقوقهم من الترفيه واللعب والتعليم الحياة الكريمة.

تأثيرات نفسية عميقة

رأينا كثيرا من الأطفال المهمشين يقضون ساعات طويلة في أعمال ومهن شاقة ومتعبة تكبر عمرهم، وفي الأغلب يستمر بعضهم على مواصلة العمل طوال اليوم كما هو حاصل مع مهند وشقيقه، وهذا يجعلهم يتعرضون لضغوطات نفسية تؤثر على سلامة صحتهم النفسية، وتعود على الطفل بتأثيرات سلبية على سلوكياتهم وتصرفاتهم مع من حولهم.

وفي هذا الصدد، تقول الاختصاصية النفسية، مروى العواضي لصوت المهمشين “إن عمل الطفل بشكل مجهد ومكثف يعرضه إلى ضغوطات كبيرة، لها انعكاسات نفسية قد تكون أمراضا أو اضطرابات سلوكية، واجتماعية أيضًا بحيث يتأثر الطفل وتخلق لديه ضعفا في القدرة على التواصل مع الآخرين وتبادل الأفكار وتنقيحها مع الأطفال من مستواه أو أشخاص يكبرونه سنًا، لأنه يقضي كل وقته أساسًا في العمل”.

وتضيف العواضي أن ضغوطات العمل في بعض الأحيان قد تُدخل الطفل في عُزلة ذاتية واكتئاب وتولّد لديه مخاوف كبيرة وفقدانا للثقة في النفس، كذلك قد تجعله يقوم بتصرفات سلبية وعدائية، وأحيانا انحرافات سلوكية وأخلاقية.

تلك التداعيات النفسية قد تؤثر أيضًا على مستوى التعليم لدى الطفل، إن كان هنالك أطفال مهمشون ممن يعملون مع تمسكهم في الاستمرار بالدراسة، وهم قلة للغاية كالطفل مهند، أما شقيقه مراد فقد أُجبر على تركها، وهنا، تعتقد العواضي أنهم لا يستطيعون خلق التوازن بين العمل والمدرسة، نتيجةً لتعرضهم لإجهاد نفسي وجسدي بسبب العمل، إذ يضعف ذلك تركيز الطفل في الدروس وقدرته على إعداد الواجبات المدرسية، فيتدنى مستوى تحصيله الدراسي.

ـــــــــــــــــــــــــــ

الصورة لطفلين يعملان في مجال إصلاح الأحذية، تصوير وحب الدين العواضي، تعز، الإثنين 21 فبراير 2021

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.