قصة مهمشة: من ضحية للتعنيف إلى مناهضة له

قصة مهمّشة معنّفة انتصرت لكرامتها

‏  9 دقائق للقراءة        1695    كلمة

لم تعلم “جميلة” أن قصة حبها ستتحول إلى مرساة أحزان، تجوب تفاصيلها في أزقة الذاكرة الممتلئة بغدر الأزمنة؛ فلحظات سعادتها التي انتظرتها طويلًا، حين ظنت أنها ستتحقق في ليلة زفافها لرجل أحبته وأحبها مرت كوميض البرق السريع، تاركةً أثره بكل أهواله وتحولاته؛ ليتركها زوجها تعيش حياة احتراقها بلهيب تعنيف ذكوري قتل فيها لحظات الفرح، ومنح حبها أوسمة من رماد.

رغم مرارة الصدمات التي أصابت “جميلة” كان مقامها هنا أرقى من كل مقام، احتفظت معه بقوتها وتماسكها وانتصرت على بهتان الظنون بها، فاحتلت مكانها بترفع لتكون منارة اهتداء.

تقول “جميلة”، اسم مستعار لثلاثينية من محافظة عدن، تسكن في منطقة البساتين الواقعة شمال غرب عدن التابعة لمديرية دار سعد، تقول بابتسامة هادئة مصحوبة بتنهيدة طويلة: “اعتقدتُ أني سأقضي عمري كله معنّفة”.

الطعنة الأولى 
في مطلع فبراير 2013، كانت “جميلة” تبلغ من العمر 22 عامًا، تزوجت من رجل ظنت أنها سوف تكون في قمة السعادة والأمان معه، لا سيما أن زواجها منه كان عن حب واحترام، ولكن فرحتها كانت قصيرة جدا.

تسرد قصتها: “في يوم من الأيام كنت في قمة أناقتي لأني عروسة مثل أي عروس في شهر العسل، وكنت منتظرة زوجي يأتي من الشارع، فكانت الصدمة الكبيرة لي، إذ أتى محملًا بالغضب، فانهال عليّ بالضرب الشديد من دون أي سبب. كنت في حالة دهشة. لم أعرف ماذا أعمل. تجمدت في مكاني، وأحسست بأن الزمن قد توقف”.

تضيف بأنها حاولت أن تهدئ نفسها، وعندما سألته لماذا فعل هكذا بها من دون غلط بدر منها، أجابها بتجبر وغرور: “ليس هناك سبب، ولكن أنا زوجك ويحق لي أن أفعل ما شئت بك”. سكتت وكتمت الموضوع عن أهلها لأنها عروسٌ جديدة، والتمست لزوجها العذر وسامحته على فعلته، ولكن كان الألم قد ألمّ بقلبها فلم تحتمل احتراقه.

“كان يطفئ السجائر على جسمي دومًا من دون معرفة السبب”

تقول”جميلة”: “ذات يوم أحسستُ بتعب شديد، فأخذني زوجي إلى المستشفى، وأجريت بعض الفحوصات، وبعد فترة قصيرة يأتي الخبر الجميل الذي تحب سماعه كل امرأة متزوجة، وهو (أنت حامل)، وكانت فرحة لا توصف”.

وقد كان أجمل خبر سمعه زوجها حيث قال لها: “وأخيرا تحقق حلمي”.

تكمل “جميلة” قصتها: “بعد ظهور آثار الحمل عليّ، وبدأت بطني تكبر بتلك اللحظة، كنت أتعرض إلى الشتائم والإهانات الجارحة من زوجي، وكان يجعلني أتضور جوعًا مع أنه ميسور الحال نوعا ما. كنت أصبر وأحمل إلى أن أتى يوم، وقام بضربي ضربًا مبرحًا وأنا في الشهور الأخيرة من حملي، وكان يطفئ السجائر على جسمي دومًا من دون معرفة السبب”.

تعب جسم “جميلة” وقلبها وحالتها النفسية، وعندما حان وقت الولادة، تعرضت لعسر في الولادة بسبب الجوع، إذ أفادت طبيبتها أنها كادت تفارق الحياة، ولكن رحمة الله تداركتها، ورزقت بمولودها المنتظَر؛ وكانت فرحتها لا توصف، حيث أفادت أنها جعلتها تنسى التعب والقهر الذي عانته مع زوجها.

تشرح “جميلة” حكايتها مع الأمومة بقولها: “مرت الأيام والشهور وابني يكبر ويكبر، وكنت ألحظ أنه ليس مثل بقية الأطفال. خفت، وذهبت به إلى الطبيب، فكان الخبر الذي فطر قلبي عندما قال: “ابنك يعاني من ضمور في الدماغ، وللأسف سوف يكون طريح الفراش للأبد”.

حزنت الأم حزنًا شديدًا، وتألمت على حال ابنها؛ وما زال زوجها يضربها في كل جسدها دون أي رحمة، وبأي شيء يجده أمامه أو بيده، ولم تجد منه غير الشتائم والإهانات والذل والجوع والشك القاتل.

حياة لا تطاق

بعد مرور عام حملت “جميلة” للمرة الثانية، ورزقت بطفلة سليمة، وهي الآن في عامها السابع، ومن بعدها بسنة واحدة أيضًا حملت ورزقت بطفلة أخرى، وهي الآن في السادسة من عمرها.

تقول عن تلك الفترة: “في تلك الفترة كنت ما زلت أتعرض للضرب والإهانات التي تهطل عليّ كالمطر، وأنا أتحمل وأصبر من أجل أولادي على أمل أن يتغير، وخوفي الكبير من نظرة المجتمع للمرأة المطلقة”.

وتضيف: “كان يقول لي: سوف أقتلك، وأدفنك، ولن يحاسبني أحد، لأني سوف أخبرهم بأني مريض نفسيًا؛ ولدي تقارير طبية تثبت صحة كلامي”.

ذات يوم جعلها زوجها تقف أمام جدار الغرفة، وصوب السلاح باتجاهها، وكم كانت لحظة تقطع الأنفاس للزوجة: “كنتُ أنظر إلى أولادي بخوف، وأتخيل أنني لن أراهم بعد ذلك، وعيناي ممتلئة بالدموع. بعدها أطلق الرصاص إلى سقف المنزل، فانهارت أعصابي”.

تُكمل: “كنتُ أنتظر موتي المحتم معه بأي وقت، خصوصًا عند تفننه بتعذيبي، وتركيزه على الأماكن الخطيرة بجسمي مثل رأسي ورقبتي، كان يمسك بشعري ويخبط رأسي بالجدار من دون رحمة، ثمّ يقول لي: أنا أحبك، ولا أقدر أن أعيش بدونك لحظة واحدةً”.

القرار بالخلاص
أطلقت”جميلة” تنهيدة طويلة، وقالت في تلك اللحظة لنفسها أمام المرآة: “إلى متى سوف أعيش بهذا العذاب؟! هل سأموت بطريقة بشعة؟! يكفي الضرب والجوع والحرمان والشتائم والشك، ولا بد من أخذ القرار الصائب؛ لأنه لا يوجد أمل بهذه العلاقة، كل ما يوجد فيها هو العنف والذل فقط”.

فاتخذت “جميلة” قرارها الحاسم بالخلاص. أخبرت أهلها أنها تريد الانفصال عن زوجها لأنها تعبت من التعنيف والضرب والذل. أخبرتهم أن زوجها يهددها بقتل أخوانها إن شكوته لهم، وعندما علم أخوتها غضبوا وذهبوا إلى زوجها لكي يطلقها، فانهال عليهم بشتائم وتهديدات، وأخبروه “المحكمة بيننا”.

تقول: “عند الساعة الثامنة مساءً كانت المفاجأة، حين أتى زوجي مع مجموعة عصابة، وقاموا بأغلاق أبواب منزل أهلي من الخارج، ومن ثم أشعلوا النار ولاذوا بالفرار. كانت ليلة عصيبة يملؤها الخوف والحزن وقلة الحيلة. انتظرت وانتظرت على أمل أن يتغير، ولكن للأسف لم يكن للأيام والحب الذي أحببته أي قيمة. طعن حبي له دون رحمة”.

منظمات المجتمع المدني
تقول

“جميلة”: “أخبرتُ أهلي بأن صديقاتي لديهن معارف لدى المنظمات التي تهتم بحقوق المرأة. في البدء لم يقتنع أهلي بالفكرة، ولكن حاولت إقناعهم، وثم تم أخذي في البداية إلى منظمة “وجود” كي أحصل على الطلاق، فأحالتني المنظمة إلى اتحاد نساء اليمن، وأخبرَت أهلي بأن عليّ المكوث في دار الإيواء لكي أجنب أخوتي الضرر، وكي أحصل على الطلاق بشكل أسرع. تفهم أهلي هذا الأمر ووافقوا”.

كانت “جميلة” أول حالة تدخل دار الإيواء، وكان ذلك قبل حلول شهر رمضان المبارك بيوم واحد، وظلت في دار الإيواء لمدة شهرين – قبل خمس سنوات- من دون أطفالها؛ لأن الدار تسمح فقط بإيواء المرأة فقط؛ وظل الأطفال مع أبيهم.

تقول”جميلة” : “لم يتركني أهلي للحظة، وكنت دائما على تواصل معهم وإخبارهم بكل ما هو جديد، وعندما كنت في دار الإيواء، قام زوجي بتقديم بلاغ إلى الشرطة بأنني مختفية، وأنني أعاني من حالة نفسية، وأنه يخاف أن أعمل بنفسي شيء، وهو يعلم أنني في دار الإيواء وأنني أريد الانفصال عنه، وكان يقوم بتهديد صديقاتي اللاتي قمن بمساعدتي، وعندما حان موعد الطلاق، قام بنشر صوري في مواقع التواصل الاجتماعي، تحديدًا الفيس بوك، وأنا بملابسي المنزلية، بهدف تشويه سمعتي أمام المجتمع.

لكن اتحاد نساء اليمن لم يعطه فرصة لتشويه سمعتي مثل كل مرة، حيث قام الاتحاد بالإفادة لقسم الشرطة بأنني موجودة لديهم، وأنني رافعة لدعوى طلاق بعد تعنيف شديد.

بعد شهرين من مكوث “جميلة” في دار الإيواء وبعد سنين من العنف والضرب والإهانات والشتائم، حصلت على الطلاق، واحتضنت أولادها بحكم من المحكمة، واجتمعت بأهلها، وتخلصت من العنف. صحيح أنه كان بعد الطلاق يقوم بأخذ البنات بالقوة، ويجعلهم عنده فترات طويلة لكنها تقول: “لابأس، فهو بالأول والأخير والدهن، وله عليهن حق”.

اتحاد نساء اليمن: “1135 زوجة معنفة في محافظة عدن”

يسهم الاختصاصي والمعالج النفسي مرتضى النجاري، وهو مشرف الاختصاصيين النفسيين لدى منظمة أطباء العالم: “العنف الجسدي والنفسي للمرأة الحامل سلوك سلبي يؤدي إلى حصول مضاعفات للجنين أثناء الولادة، مما يسبب مشاكل كثيرة، ومن ضمنها التخلف العقلي وضمور الدماغ”.

ويضيف النجاري أن العنف آفة خطيرة قد تعرض المرأة الحامل وجنينها للوفاة في مرحلة تحتاج المرأة فيها إلى الأمان والحنان، ومن المهم جدًا أن يُدرك الزوج أهمية الاعتناء بزوجته خلال فترة حملها، وأن يعطيها الحنان والأمان وقت شدتها لأنها بحاجة ماسة له من أجل أن تجتاز فترة الحمل والولادة بنجاح هي وطفلها.

وتشير تقارير منشورة في الموقع الرسمي لاتحاد نساء اليمن أن العدد الإجمالي للنساء اللاتي تعرضن للعنف بكل أنواعه في محافظة عدن هو 1135 حالة سواء أكان عنفا جسديا أم لفظيا أم تحرشا أم اغتصابا وغير ذلك.

وأضافت أن الخدمات التي يقدمها الاتحاد هي الدعم القانوني منها الاستشارات القانونية أو الخدمات القانونية في القضاء أو أجهزة الضبط، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي وتقديم الدعم في مجال التمكين وتدريب وتقديم المساعدة المالية وخدمات الإيواء، وخدمات أخرى حسب متطلبات الحالة.

ماضٍ مؤلم، حاضر مشرف، مستقبل مشرق
تقول”جميلة”: “ها أنا اليوم، وبعد خمس سنوات من طلاقي أقف بكامل انتصاري ضد العنف، فقد أتممت دراستي الجامعية في مجال علم النفس، وصرتُ ناشطة اجتماعية، وعضوة في جمعية شباب الأحياء الشعبية، ومتطوعة في برامج وأعمال الاتحاد الوطني للفئات الأشد فقرا، وتطوعت في البحث عن الفئات الأكثر عرضة للأمراض المنقولة جنسيا، كما قمت بتدريب 15 فتاة في مخيم خرز للاجئين حول كيفية توعية المجتمع من مرض الإيدز والوقاية منه، كما تطوعت في مجمع البساتين التابع لمديرية دار سعد بمحافظة عدن مرشدةً صحية”.

تطوعت “جميلة” أيضًا في برنامج التدخل المبكر للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وتطوعت في حملات التحصين ضد شلل الأطفال، كما ساعدت في برنامج خديجة مع مؤسسة القيادات الشابة في محافظة صنعاء، وذلك بتنفيذ جمعية شباب الأحياء الشعبية.

كما تطوعت ميسرةً في المساحات الصديقة للأطفال في مديرية دار سعد، وعملت متطوعة لدى مؤسسة أنقذ حياتك في برنامج توعوي يخص الأطفال والأمهات الحوامل والمرضعات.

وآخر عمل تطوعي كان مع برنامج البحث عن أرضية مشتركة بوصفها وسيطة، لمعرفة أهم القضايا والمشاكل والاحتياجات وعمل جلسات حوارية لمناقشة تلك الاحتياجات التي تعاني منها مديرية دار سعد بمحافظة عدن.

تقول “جميلة” في الأخير لكل امرأة: “خلقك الله مكرّمة، والعلاقة الزوجية مودة ورحمة وليست استعبادا وعنفا، فلا تذلي نفسك من أجل علاقة لا يوجد فيها غير العنف والقهر، ولا تسكتي أو تخافي من شيء؛ لأنه لا شيء يعادل الكرامة”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.