خطر “الدفتيريا” على المجتمع اليمني

الدكتورة: رقية محمد سالم

‏  6 دقائق للقراءة        1117    كلمة

كل فرد لا يملك مناعة كافية ضد المرض يُعدّ عُرضة للإصابة بالعدوى، ويمكن له اكتساب المناعة ضد عدد من الأمراض بالتطعيم بلقاحات برنامج التحصين الصحي، والدفتيريا من أمراض العصر القديم. ظلّ هذا المرض عبر التاريخ مرضا مخيفاً، فقد نجمت عنه مئات الآلاف من الوفيات في جميع أنحاء العالم، ولا يزال منتشرا في كثير من بلدان العالم، وقد يحدث في صورة تفشّيات محلية بسبب تدني التغطية بالتحصين.

والتعريف القياسي لمرض الدفتيريا “مرض معدٍ جرثومي تسببه السموم التي تفرزها بكتيريا تدعى بكتيريا الخناق الوتشدية”. وإذا لم يُعالج المريض المصاب، فقد يتعرض للموت نتيجة المضاعفات التي تسببها السموم التي تفرزها البكتيريا، والتي قد تؤثر على القلب والجهاز العصبي المركزي والجهاز التنفسي. ومن الفئات الأكثر عرضة للإصابة به: الأطفال غير المطعمين أو الذين لم يستكملوا كل جرعات اللقاح، والمخالطون مباشرة للحالات المصابة، والمصابون بسوء التغذية وضعف المناعة، فضلا عن الأشخاص الذين يعيشون في أماكن مزدحمة أو ظروف معيشية مكتظة كالنازحين.

ويجدر التوضيح بأن مرض الدفتيريا معدٍ، وينتشر عن طريق الاتصال المباشر أو تنفس رذاذ الإفرازات من الأشخاص المصابين أو الحاملين للمرض. ونادرا ما تنتج العدوى بسبب التلامس مع القروح الجلدية التي تسببها الدفتيريا أو شرب اللبن غير المبستر، فالإنسان الحامل لبكتريا الدفتيريا هو الخازن الوحيد للمريض، وعادة تكون فترة حضانة المرض من ٢-٥ أيام، إلا أنها قد تتراوح بين يوم و١٠ أيام.

وتتفاوت فترة السراية (نقل العدوى للآخرين)، ففي حين لا تزيد عن ٤ أيام عند العلاج بالمضادات الحيوية الفعالة التي تنهي سريعا إفراز العصيات، قد تستمر في حال عدم تناول العلاج من أسبوعين إلى ٦ أسابيع.

وينبغي الإشارة إلى أن الاشخاص الحاملين للمرض إذا لم يُعالجوا، فقد يستمرون في إفراز العصيات لمدة ستة أشهر أو أكثر، فبالرغم من أن الإصابة بالمرض قد تُكسب المصابَ مناعة دائمة، لا يحدث هذا دائماً في كل الحالات. والرضع الذين يولدون لأمهات لديهن مناعة يكتسبون مناعة سلبية تستمر عادة أقل من ستة أشهر.

تطعيم الأطفال بـ٣ جرعات من لقاح توكسويد الدفتيريا يُنتج مناعة طويلة في ٩٧٪ من الحالات، غير أن هذه المناعة لا تستمر مدى الحياة، وبالتالي يُنصح بإعطاء جرعات تنشيطية من اللقاح كل ١٠سنوات.

ومرض الخناق، كالعديد من أمراض الجهاز التنفسي، يكون أكثر شيوعاً في فصل الشتاء، وقد انتشر في كثير من دول الاتحاد السوفيتي سابقا، وغالباً ما تحدث الأوبئة بين المراهقين والبالغين. وفي عام ٢٠١٦، سُجّلت ٧٠٩٧ حالة في العالم كان معظمها من الهند (٣٣٨٠) ومدغشقر (٢٨٦٥). وفي إقليم شرق المتوسط، أشارت التقديرات إلى أن الخناق كان مسؤولا عن ٤٧٥ حالة في عام ٢٠١٨. وفي عام ٢٠١٠، أُبلغ عن ١٥٤ حالة من حالات الدفتيريا في إقليم شرق المتوسط، حدثت في إيران (١٠٦)، وباكستان (٣٧)، واليمن (٧)، والعراق (٢)، والسودان (١)، والإمارات العربية المتحدة (١). وفي ٢٠١٦، أبلغ عن ٢٥ حالة غالبيتها حدثت في إيران.

في اليمن، تُعدّ الدفتيريا من الأمراض المتوطنة، وبحسب منظمة الصحة العالمية يُسجل سنويا في المتوسط نحو 50 حالة اشتباه. وفي مطلع الثمانينات، شهدت محافظة الحديدة أكبر وباء سُجل في اليمن حتى ذلك الحين، حيث سجلت ١٤٩ إصابة و٢٠ وفاة في الفترة ٢٩ أغسطس ١٩٨١ إلى ١٦ يناير ١٩٨٢.

قد شهدت اليمن تزايدا ملحوظا في عدد الحالات المحتملة من الدفتيريا منذ أغسطس ٢٠١٧، حيث سجلت ٢٣٩ حالة حتى ٤ ديسمبر ٢٠١٧ في ٥٦ مديرية من ١٥ محافظة وبنسبة إماتة ١١.٧٪. وقد سُجلت ٦١٪ من إجمالي الحالات في محافظة إب، وكانت أعمار ٨٤٪ منها فوق ٥ سنوات، ٥٩٪ كانت غير مطعمة، و٢٤٪ من الحالات تلقت أقل ٣ جرعات من لقاح الدفتيريا منذ أغسطس.

بمجرد الإصابة بعدوى الدفتيريا، تحدث إصابة الجهاز التنفسي العلوي بشكل واضح، وأهم أعراضها ظهور غشاء رمادي اللون على الحلق واللوزتين يصعب إزالته. ومن أعراض وعلامات المرض، الإصابة بالسعال مع ارتفاع طفيف إلى متوسط في درجة الحرارة، والشعور بالإعياء، وتغير صوت المريض حتى يصبح صوته خشنا ويشبه صهيل الحصان، إضافة إلى تغير في رائحة الفم لتصبح كريهة، يرافق ذلك صعوبة في البلع وخروج إفرازات من الأنف، وقد تكون مصحوبة بدم، والإحساس بالغثيان وحدوث رعشة وقيء وصداع.

أما من حيث المضاعفات وعلامات الخطر، فيسبب المرض تورّما في الرقبة، ويعرف بـ”عنق الثور”، وذلك نتيجة لتضخم الغدد الليمفاوية الموجودة بالرقبة، مما يجعل المريض يمدّ رقبته للخلف، فيخرج الشراب والأكل من الأنف، وتتزايد سرعة دقات القلب، كما يتسبب بشلل في عضلات التنفس والحجاب الحاجز يؤدي إلى الاختناق، وشلل إضافي في الأطراف مع زغللة في العينين.

تحدث الوفاة نتيجة المضاعفات السابقة، وهي تؤثر على القلب والجهاز والعصبي المركزي والجهاز التنفسي، وتتراوح نسبة الوفيات خاصة في الحالات التي تصيب الجهاز التنفسي بين ٥-١٠٪، وقد تصل الوفيات إلى ٣٠٪ أو أكثر، خصوصا في الأطفال دون الخامسة أو من هم فوق الأربعين عاما.

الصور السريرية للدفتيريا أربعة على النحو الآتي:

١-النوع الذي يصيب الحلق واللوزتين، وهو النوع الأكثر شيوعاً وخطورة.

٢-النوع الذي يصيب الحنجرة، وقد يؤدي إلى اختناق المريض.

٣-النوع الذي يصيب الأنف، وعادة ما تكون الإصابة به خفيفة.

٤-النوع الجلدي، ويظهر في صورة طفح جلدي أو قرحات، ويعتبر أكثر الأنواع ندرة، وأقلها خطورة.

 بناء على ما تقدم ذكره:

يجب، لرعاية الحالات ومعالجتها، البدء فوراً في إجراءات المعالجة عند تشخيص أي إصابة محتملة، وعدم انتظار التأكيد المختبري.

يجب أن يُحال المريض فوراً للرقود وتلقي العلاج في مستشفى تتوفر فيه إمكانيات العزل والعناية المركزة ما أمكن ذلك.

يجب البدء فوراً في إعطاء المصل المضاد للدفتيريا بعد أن تؤخذ العينات البكتريولوجية من دون انتظار لنتائج المختبر، والمصل المضاد للدفتيريا (DAT) هو أساس المعالجة لمريض الدفتيريا؛ إذ يقوم بمعالجة السموم التي تفرزها البكتيريا الدائرة في الدم، ويمنع تطور المرض وحدوث المضاعفات.

يجب إعطاء المضاد الحيوي (الاريثروميسين أو البنسلين) لمدة ١٤ يوما للقضاء على البكتيريا، والحد من إفراز السموم، وتقليل فترة السراية.

يجب إعطاء اللقاح المضاد للدفتيريا في مرحلة النقاهة لأن العدوى السريرية لا تعطي دائماً مناعة كافية.

يجب تطبيق إجراءات العناية العامة بالمريض، مثل: عزل المرضى المصابين بالمستشفيات التي تتوفر فيها إجراءات العزل القياسية لمدة ١٤ يوما.

ويجب نصح المرضى بالاهتمام الشديد بالنظافة الشخصية مثل: تغطية الأنف والفم بالمناديل الورقية عند السعال، وبضع جميع المناديل الملوثة مباشرة في حاويات القمامة، وبغسل اليدين بالماء والصابون في كل مرة يكون هناك اتصال مع إفرازات الجهاز التنفسي أو الجروح المصابة.

ويجب أن يستخدم العاملون الصحيون المختلطون بالمرضى القفازات والمآرز البلاستيكية وأن يرتدوا قناع الوجه الجراحي، ويجب إعطاء خافضات الحرارة والمحافظة على التغذية المناسبة للمريض، والمراقبة المستمرة للعلامات الحيوية كالتنفس والنبض والاستعداد لمواجهة أي مضاعفات قد تحدث، وذلك بإعطاء الأكسجين.

الصورة:
نهلة العريشي تعالج أطفال عدن المصابين بالدفتيريا في مستشفى الصداقة (رويترز)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.