خرافات شعبية لعلاج مرض الحصبة

‏  6 دقائق للقراءة        1165    كلمة

تعجن الأربعينية فاطمة الحناء بيديها بعد أن استنفذت كل الطرق الشعبية  لعلاج طفلها الأصغر محمد، ٥ أعوام الذي أصيب بمرض الحصبة وتحول جسده إلى خارطة تفاصيلها بثور حمراء صغيرة.

 كانت رغبتها شديدة في زيارة الطبيب لعلاج ابنها، لكن تردي الإمكانيات المالية لفاطمة حال دون أن تعرض طفلها على طبيب مختص لعله يمنحها مسكنات ألم تخفف من ألمه وتخفض من حرارة جسده.

أمام عجزها عن تحسين واقعها المعيشي الصعب، وجدت  فاطمة أن طوق النجاة لإنقاذ حياة ابنها باتباع نصائح الجدات في محوى المهمشين التي تسكنه مع زوجها وأبنائها الخمسة، والكائن في سائلة جبلة بمحافظة إب.

” نصحتني أمي بأن يلبس طفلي ملابس حمراء طوال فترة المرض لأن الأحمر يمتص الطفح الجلدي، وأن أوفر له البيبسي الأحمر يوميا” بحسب فاطمة.

 لم تتردد فاطمة بأن تضع الملابس الحمراء المهترئة على جسم ابنها، كما اقترضت من البقالة مشروبات غازية يومية، لعل هذه النصائح تخفف من ألم طفلها وتوقف صرخاته  .

مرّ أسبوع من مرض الطفل والحال يزداد سوءًا، فذهبت فاطمة مجددًا للنساء المسنات، وكانت تبكي هلعًا خشية أن يفقد طفلها حياته.غير أنها تفاجأت بردة فعل الجدات اللواتي مزجن الضحك بالجد لعل أسلوبهن يهدئ من روع فاطمة.

ضحكت الحاضرات بهدوء ورصانة وكأن فاطمة لاتحسن التصرف.لكنها ظفرت بوصفة شعبية جديدة لعلاج الحصبة ، “بأن تطهو دجاجة لها مواصفات خاصة وتجبر طفلها على شرب مرقها ” بحسب تعبيرها

طلت الأم طفلها بالحناء باكية، والأمل يسورها بأن هذه الطريقة الشعبية تخفف الألم والطفح الجلدي الذي انتشر على كل بقعة في جسده الصغير.

بفضول، تسأل مراسلة “صوت المهمشين ” الأم فاطمة  عن فوائد الحناء في علاج الحصبة، لتجيب “بأنها تجهل ذلك لكنها تقوم بما تستطيع لتنقذ الطفل”.

الحصبة واللون الأحمر

حاولت معدة التقرير أن تجد علاقة اللون الأحمر بعلاج الحصبة وبحثت في بحور العلم مليا الذي دحض كل هذه المعتقدات الخاطئة التي تنتشر بين أغلب فئات المجتمع اليمني .

 كما توصلت الى أن المعتقدات لا تخص فئة المهمشين فقط، بل أن معظم أفراد المجتمع اليمني من خارج الفئة. يتبعون تلك الطرق الشعبية المتوارثة لعلاج الكثير من الأمراض وتغييرتلك المعتقدات يحتاج إلى توعية مستمرة وقد يستغرق وقتا طويلا.

وفي تفسيرها قالت الثلاثينية أسماء مقبل، من محافظة تعز، إن والدتها وجدتها قد استخدمن حيلة اللون الأحمر.

والدة أسماء مقبل، وهي تربوية في إحدى مدارس تعز، تضيف بأن الأمر خرافة لا علاقة لها بعلاج الحصبة، لكنها ومن واقع تخصصها في علم النفس، تؤكد “بأن العامل النفسي له أهمية كبيرة في ارتفاع نسبة المناعة التي تقاوم المرض”.

وتضيف:”أفسر سلوك الأجداد خاصة المهمشين رفع معنويات الأطفال التي تتدمر بالألم والمرض والفاقة بهذه الخرافات، فإذا آمن الطفل بأن اللون الأحمر سيمتص أعراض مرض الحصبة أو حتى الحناء أو المشروبات الساخنة، تلاحظ بالفعل أن هذه الأعراض تخف ولو قليلا، فلا علاقة للأمر بالعلاج الجسدي لكنها قد تجدي نفسيًا وبشكل ملحوظ”.

 

“ارتدت حكمة اللون الأحمر لشهر كامل، وارتشفت أكوابا من “مرق الدجاج” ليلًا ونهارا، وبعد انتهاء المرض طلتها والدتها بالحناء للقضاء على آثار الطفح الجلدي الذي سببته الحصبة”

ينظر إلى المرق كسائل من السوائل التي تحتوي على فيتامينA،  بحسب ما اشارت اليه الطبيبة العامة دعاء دماج ، موضحة بأن للسوائل أهمية كبيرة في علاج مرض الحمة، وباعتبار الحمة أحد أعراض الحصبة، قد يجدي الأمر في التخفيف من الأعراض المصاحبة للمرض.

لكن علي عبدالله، 60 عامًا، من محافظة لحج جنوب اليمن يقول:” تعلمت من أبي وجدي أن الدجاج الحي الطازج هو الأفضل، بسبب ذبحها عن حرارة تنتزع حرارة الجسد بالتفاعل مع الحمة”.

بينما تستذكر حكمة محمد، 70 عاما، من محافظة إب شمال اليمن كيف غزت مرض الحصبة قريتها في مديرية النادرة، مطلع سبعينات القرن الماضي، وذكرت أن المرض قد حصد أرواح في منطقتها بينهم طفلين، وقالت:” أصابت الحصبة معظم سكان المنطقة بينهم أنا، ولم يتوافر أي علاج في المراكز الصحية، ولأننا لم نأخذ أية لقاحات فقد مرضنا كثيرا، منا من قاوم المرض وبقيت بعض آثاره على الجلد، ومنا من توفي”.

وتروي حكمة تجربتها مع العلاج الشعبي بأنها ارتدت اللون الأحمر لشهر كامل وشربت كل المشروبات الحمراء، كما ارتشفت أكوابا من “مرق الدجاج” ليلًا ونهارا، وبعد انتهاء المرض طلتها والدتها بالحناء للقضاء على آثار الطفح الجلدي الذي سببته الحصبة، وقد تجاوزت المرض أثناء طفولتها بعد معاناة طويلة.

تحت سماعة الطبيب

الحصبة عدوى تصيب الأطفال بسبب أحد الفيروسات. وبعد أن كانت الحصبة واسعة الانتشار من قبل، فإنه يمكن الوقاية منها الآن باللقاح في كل الأحوال تقريبًا. ويُطلق على الحصبة أيضًا الروبولا، وتنتشر بسهولة وقد تكون من الأمراض الخطيرة أو حتى المميتة في حالة الأطفال الصغار.

كما تظهر مؤشرات مرض الحصبة وأعراضها بعد التعرض للفيروس بفترة تتراوح بين 10 و14 يومًا. وعادة ما تشمل مؤشرات مرض الحصبة أعراضا منها الحمى والسعال الجاف وسيلان الأنف  التهاب الحلق والتهاب العينين، حسب مداخلة الطبيبين راكان العزعزي ودعا دماج.

ويتفق الطبيبان أيضا على أن الطفح الجلدي يتكون من بقع كبيرة مسطحة، وكثيرًا ما تكون متصلة معًا وهي أحد أبرز أعراض مرض الحصبة، كما تحدث العدوى على مراحل تستمر لمدة أسبوعين إلى 3 أسابيع.

 يؤكد الطبيب اراكان العزعزي والطبيبة دعا دماج بأنه لايوجد أي أساس علمي للوسائل البدائية السائدة بين أوساط المهمشين وبقية أفراد المجتمع لعلاج مرض الحصبة، وينصحا المصابين أو أسرهم بالتوجه لطلب الرعاية الطبية حيث أن الطبيب سيوفر لهم المضادات الحيوية المناسبة لرفع كفاءة الجهاز المناعي ضد المرضَين، الحصبة وجدري الماء. ويحضا كلا الطبيبين مجتمع المهمشين وبقية أفراد المجتمع بأخذ اللقاحات اللازمة للأطفال منذ سن مبكرة تجنبًا للمواقف التي لا يحمد عقباها.

بالأرقام

 أحدث تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف”، بشأن انتشار مرض الحصبة في اليمن، 15 طفلًا، كما اشتبهت المنظمة بإصابة أكثر من ألف طفلٍ آخر في اليمن.

وقالت المنظمة في تقريرها المنشور مطلع ديسمبر2022 إنه :”تم رصد وفاة 15 طفلا بالحصبة في 7 محافظات، بما في ذلك عدن، كما اشتبه في إصابة حوالي ألف و400 طفلٍ بالمرض خلال الفترة ما بين يناير ويونيو من العام 2022″.

وفي خاتمة لقائنا بالمواطنة حكمة التي شهدت أن الحصبة قد حصدت أرواحا تعرفها فقد عبرت عن أسفها تجاه وفاة أطفال جيرانها الذين لم يأخذوا لقاحًا مجانيًا في متناول الجميع، وأشارت بأن أقرب مركز صحي لايبعد عن القرية أكثر من نصف كيلو مترا.

بعد استياء حالة الطفل محمد قررت والدته فاطمة التوجه به إلى أقرب مركزٍ صحي حينما أخبرناها بأن الدواء شبه مجاني إن لم يقدم بالمجان كليًا، كما وعدت فاطمة بتوعية سكان المحوى من المهمشين بتطعيم أطفالهم بعد أن ندمت على إهمالها لأطفالها الخمسة.

( أنتجت هذه المادة بدعم من منظمة “lnternews” ضمن مشروع “Rooted in trust” في اليمن)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.