خرافات التداوي من مرض البلهارسيا

‏  5 دقائق للقراءة        887    كلمة

خديجة أحمد أم لـ 7 أطفال، وقد أصاب مرضُ البلهارسيا ثلاثة من أطفالها. لم تحصل خديجة على العلاج المناسب بسبب الفقر والجهل الذي ينتشر بين أوساط الفئات المهمّشة التي يتجاوز عددها 3 مليون نسمة، وفقا لآخر إحصائيات الأمم المتحدة. تسكن خديجة مع أطفالها في مدينة تعز في كوخ مبني من الصفيح، ويفتقر إلى أبسط الخدمات الصحية، كما يبعد عن المركز الطبي مسافة نصف كيلو متر.

تقول خديجة لصوت المهمشين: “أعول 4 بنات و3 أبناء، وزوجي توفي بمرض الفشل الكلوي، واليوم أولادي مصابون بمرض البلهارسيا”. تحكي خديجة أنها فقيرة وسعر الدواء مرتفع وأنه لا أحد يساعدها، الأمر الذي جعلها تُنصت لكل مشورة تسمعها، لعل ذلك يخفف من أنين أطفالها.

الثوم والبصل 
فجأة يسمع الجيران صرخات استغاثة الأطفال الثلاثة بدلا من أنين الوجع، فيستغربون لذلك، لكنهم لا يتدخلون خشيةً من عصبية الأم التي أثقلت المسؤوليات كاهلها وأصبحت أكثر عصبية مما مضى.
أخبرت أم أمين، جارة خديجة، مراسلنا فضولا في معرفة السبب بطريقة غير مباشرة فسأل المراسل بدوره خديجة سؤالا في لقائه العارض بها، فتبيّن أن السبب هو البصل والثومة اللذين تفرك بهم أجساد الأطفال الملتهبة بسبب البلهارسيا، مما يسبب لهم ألما يجعلهم لا يقاومونه، وتتعالى أصواتهم بالبكاء والصراخ.
تقول خديجة لمراسلنا: “نصحتني بعض النساء في التجمع الذي أعيش فيه بأن أُكثر من إطعام أطفالي للثومة والبصل، وكذلك مِن دهن أجسادهم به، والاهتمام بالتفاح، ولكن لم أستطع شراءه لارتفاع سعره، لكنني نفّذت النصيحة الأولى بالثوم والبصل لعدة أيام بلا فائدة، بل إن صحتهم تتدهور كل يوم، وأنا الآن معدومة الحيلة لا أدرى ماذا أفعل”.
لبنى طالبة، مختبرات على وشك التخرج، من فئة المهمشين، وهي جارة لخديجة، وقد شرحت لها أسباب المرض، فذكرت أن السبب يمكن في أن أطفالها ينامون على التراب الوسخ، ويلعبون به ليل نهار، ويشربون مياها ملوثة من المسجد أو من الخزانات العامة، كما نبّهتها إلى عدم صحة تلك الشائعات البدائية، وقد توقفت خديجة استجابة لنصيحة لبنى.

أدوار غائبة
تقول خديجة: “لم يهتم بأطفالي أحد، ولا نحظى بحقوقنا مثل المواطنين (تقصد غير المهمشين)، فنحن نمرض ونموت ولا أحد يعلم بنا، ولا نعرف كيف نواجه مصائبنا وأشدها علينا الأمراض والفقر”.
يشرح الطبيب بشير سعيد الزبيري خبرته حول طبيعة مرض البلهارسيا بقوله: “إن البلهارسيا نوعان بولية وبُرازية، وكلاهما تتسببفي خروج الدم بالبراز أو البول؛ لأن البويضات التي تصدر من البلهارسيا تحتوي على رأس شبيه بالدبوس يعمل على تمزيق جدار الأمعاء وجدار المثانة. وفي حالة عدم أخذ العلاج الطبي بسرعة يتطور المرض، وقد يصل إلى الكبد ليتسبب بوفاة المريض”. ويستمر الطبيب في الشرح: “للأسف لا تقوم الدولة بدورها الصحيح في متابعة ومعالجة هذا النوع الخطير من الديدان التي تسبب فقر الدم وأحيانا الوفاة، خصوصا للفئات المهمشة لأنهم أكثر فقرا ولا يستطيعون شراء العلاجات باهظة الثمن بالنسبة لدخلهم المحدود والمعدوم في معظم الأحيان”.
وأشار الطبيب إلى أن الحملات التي تقوم بها الدولة مرة في السنة أو السنتين لا تكفي، فمرض البلهارسيا يتطلب المتابعة المستمرة لحملات التفليح الميدانية كل شهر، ويتطلب توفير الفحوصات الشهرية لكل المواطنين من دون تميز، بالإضافة إلى ردم البرك والمستنقعات لحماية المواطنين ووقايتهم من الأمراض، كما يجب على الدولة توفير الأدوية الخاصة بمرض البلهارسيا وتوزيعها مجانا للفئات المهمشة، فهي الأكثر ضررا.

الوقاية خيرٌ من العلاج
تشارك الدكتورة رقيّة محمد سالم في بيان أبرز وسائل الوقاية من مرض البلهارسيا بقولها: “إن من وسائل الوقاية التثقيف الصحي بخطورة مرض البلهارسيا، والابتعاد عن المسببات التي تزيد من فرص الإصابة بالمرض، إضافة إلى شرب المياه الصحية النظيفة، وتجنّب السباحة في أماكن المياه الراكدة والأماكن الرطبة، والتأكّد من نظافة الأدوات الشخصية التي يستخدمها الشخص، خصوصا في الاستحمام، والوقاية خير من العلاج”، وتضيف أنه لا بد من توفير سبل التشخيص والعلاج للجميع بشكل عام وللفئات المهمشة بشكل خاص لمواجهة حالات البلهارسيا.
وقد صرّحت منظمة الصحة العالمية في ديسمبر 2021م بأن ثلاثة ملايين شخص في اليمن معرضون لخطر الإصابة بمرض البلهارسيا، لهذا قامت بإطلاق حملة شملت 37 مديرية في 7 محافظات استهدفت 860 ألف طفل.

معاناة ووعود لا تنتهي
“معظم الفئات المهمّشة فقراء ومعدمون وعُشَشهم مفتوحة مع غياب شبكة للصرف الصحي وغياب شبكة التزويد بالماء، وكل الأمراض تنتشر في أوساط تجمّعات المهمشين”، يقول عاقل منطقة الضربة في مدينة تعز وديع الدُّبعي، ويضيف: “نعاني مِن تفشّي مرض البلهارسيا بين الأطفال بشكل متكرّر، ولم تلتفت إلينا الجهات الصحية بتقديم العلاجات أو اللقاحات الضرورية، كما أن معظم المهمّشين لا يملكون قوت يومهم، فضلا عن شراء العلاج”.
يقول الدكتور ماجد الجنيد نائب وزير الرعاية الصحية: “نحن نخططُ لتسريع حملتنا ضدّ البلهارسيا لتغيير حياة الملايين من اليمنيين الذين يعانون مِن هذا المرض، ولدينا اليوم الوسائل والإرادة لإنهاء هذه الدورة الطويلة من المعاناة التي تسبّبها هذه العدوى التي يمكن الوقاية منها”.
وتعزو خديجة أسباب عدم تلقي أطفالها للأدوية تقيهم مرض البلهارسيا إلى التمييز العنصري الممارس ضد فئة المهمشين والبعد عن المركز الطبي، الأمر الذي يضطرها لرؤية أطفالها يتألمون بلا حولٍ منها ولا قوة.

 

( أنتجت هذه المادة بدعم من منظمة “lnternews” ضمن مشروع “Rooted in trust” في اليمن)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.