اليمن: عاملات النظافة أجور زُهيدة وجُهد مُضاعف

‏  4 دقائق للقراءة        741    كلمة

كانت الساعة تُشير إلى السادسة صباحا، بينما كُنت على عُجالة من أمري في شارع جمال وسط مدينة تعز اليمنية. لمحتُ شابة سمراء ترتدي الزيّ الخاص بعمال النظافة. كانت منهمكة في عملها في كنس رصيف ذلك الشارع الطويل. اقتربت نحوها سائلاً عن اسمها، فأجابت “سلوى” (اسم مُستعار). أجابتني وعيناها تملؤهما الحسرة والحزن؛ لأنها لم تعتد سماع هذا السؤال من أحد، بحسب قولها. إنها امرأة تجوب أكبر شوارع المدينة في ساعات الصباح الباكرة.

سلوى محمد شابة عشرينية تحكي قصتها لصوت المهمشين: “نعمل برواتب زهيدة متقطّعة تُصرف من صندوق النظافة والتحسين، ولولا منظماتٌ تقدّم لنا بعض المساعدات، لكان وضعنا أسوأ. نعمل طوال النهار على مدار الأسبوع، حتى في يوم الجمعة، من دون أي محفزات أو تعويض لوقت العمل المضاف لعملنا الرسمي، أو حتى أي مواد احترازية تقينا الإصابة بالأوبئة والفيروسات.

معاناة وأضرار

يصل عدد عاملات النظافة في مدينة تعز إلى 94 عاملة، بحسب بيانات صندوق النظافة والتحسين في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة الشرعية، ويعملن لساعات طويلة خلال النهار بين حرارة الشمس نهارا والبرد القارس في ساعات الصباح الباكر، وذلك مقابل راتب زهيد يصل إلى 50 ألف ريال يمني (يعادل 50 دولاراً بحسب سعر الصرف في تلك المناطق)، في الوقت الذي تشهد فيه العملة المحلية تدهوراً كبيرا أمام العملات الأجنبية، وهو ما أثّر سلبا على ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمستلزمات الأساسية.

بالرغم من الدعم المادي الممنوح لقطاع النظافة من بعض المنظمات الدولية، لا تزال الممارسة التعسفية بحق عمال النظافة تمارس ضدهم، وعلى الرغم من أهمية عملهم في هندسة المظهر الحضاري لمدينة تعز، التي توصف بأنها عاصمة الثقافة اليمنية.

يقول استشاري علم النفس عبد الرحمن عبد الله: “النساء العاملات في قطاع النظافة يواجهن تمييزًا مركباً من بعض فئات المجتمع، وذلك لأن العاملة امرأة، ومن المهمشين غالبا، وعاملة نظافة، وهي وظيفة غير محترمة بحسب التوصيف الاجتماعي الجائر. وكل هذا نتيجة الموروث الاجتماعي المتوارث وتدني مستوى الوعي الحقوقي لدى المجتمع، على الرغم من أهمية العمل الذي يقمن به باعتبارهن مهندسات بيئة، ويعملن على وقاية المجتمع من الأمراض والأوبئة، ولا يُمنحن المستحقات المالية والمكافآت والأجور المناسبة لحجم العمل الذي يقمن به”.

يقول مدير الموارد البشرية بصندوق النظافة بتعز فواز الشرعبي: “مشروع النظافة يُعاني من ضعف الإمكانات بسبب الحرب والحصار وعدم وجود أدوات حماية، ونحن نُعامِل جميع العمال والعاملات على حد سواء، ولا توجد أي مشاكل، وعاملات النظافة يحتجن إلى معدات السلامة الكاملة، مثل الملابس والأحذية وأدوات النظافة وأدوات الوقاية، وبالنسبة للإجازات الرسمية، يُعطي صندوق النظافة كل عاملة مبلغ ألفي ريال بدل إضافي، ولديهن إجازة سنوية 30 يوما في السنة، وإجازة وَضع، وساعات رضاعة بحسب قانون العمل اليمني، ورواتب جميع العمال (50 ألف ريال) مستمرة من دون انقطاع، وتصرف شهريا لعدد 94 عاملة في مدينة تعز”.

تحكي عاملة النظافة صباح الوصابي معاناتها مع التحرش والعنف اللفظي وتقول: “مشاكل العاملات في النظافة كثيرة، منها التحرش الجنسي في الشوارع والعنف اللفظي؛ إذ نُنادي بألفاظ عنصرية مثل (خادمة)، ولا نعامل باحترام. ورغم هذا، لا تزال الاستقطاعات المالية من رواتبنا روتينا شهريا يمارسه صندوق النظافة والتحسين، إضافة إلى الحرمان من الإجازات السنوية، وعدم وجود أدوات الوقاية الصحية والتأمين الصحي”.

العقود المؤقتة وغياب الأمن الوظيفي

“لا توجد مشكلة إلا ولها حل”. تبدأ رئيسة جمعية “الفرص المتكافئة” مها حسن حميد حديثها بتلك العبارة، وتضيف: “اعتماد عاملات النظافة موظفات رسميات لدى وزارة الأشغال العامة، وتمكينهن من نيل جميع حقوقهن وفق القانون، وحصولهن على حقهن في التأمين الصحي وجميع أدوات ومستلزمات الوقاية من الأمراض والفيروسات، ورفع مستوى الوعي الحقوقي لهن ليتمكن من الدفاع عن أنفسهن في حالة تعرضهن للعنف اللفظي أو الجنسي، ومعاقبة كل من يثبت ضده أفعال غير أخلاقية تجاههن- كل تلك المشاكل لها حلول تستطيع أن تمنحها السلطة لهن دون أي تعقيدات، ولكن ما يحصل أن هناك إقصاء متعمدا بحقهن”.

تنص المادة الخامسة من قانون العمل اليمني على أن “العمل حق طبيعي لكل مواطن وواجب على كل قادر عليه، بشروط وفرض ضمانات وحقوق متكافئة دون تمييز بسبب الجنس أو السن أو العرق أو اللون أو العقيدة أو اللغة، وتنظم الدولة بقدر الإمكان حق الحصول على العمل خلال التخطيط المتنامي للاقتصاد الوطني”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عاملة نظافة تقوم بعملها في أحد شوارع العاصمة صنعاء، بعدسة/ عبدالواحد السمّاعي 6/2/2022

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.