المهمشون فريسة سهلة لمرض الكوليرا

‏  5 دقائق للقراءة        960    كلمة

فقدت رقية ثلاثة من أطفالها في فترة لا تتجاوز العامين، لم تكن تحسن التصرف تجاه الأعراض المصاحبة لمرض الكوليرا، حينما يستمرّ الإسهال والقيء مع انعدام السوائل التعويضية للطفل، كانت تكتفي بتوبيخه بأن لا يأكل من القمامة، وكانت الوسيلة الأقرب للحصول على الغذاء هي بقايا الأكل المرمي في سلال المهملات في الشوارع.

رقية حسن (35 عامًا) من فئة المهمشين بمحافظة الحديدة تقول لمراسلنا: “لا نعلم اسم المرض، لكن أعراضه ترافقنا على الدوام، ومن الصعب توفير الأكل والشرب النظيف، فنحن المهمشون نرضى بالمتوفر كي نعيش”. وأضافت متندرة: “وصلتنا بعض المبادرات للتوعية الصحية، الجميع ينصحنا بغسل أيدينا بالماء والصابون، لكنهم يتجاهلون أننا نعيش بلا مياه أو دورات صحية نظيفة، فضلًا عن الصابون، فالأجدر بالدولة والمنظمات الصحية توفير حياة كريمة، ومن ثم نصحنا بالوقاية”.

تتذكر رقية أبناءها قبل وفاتهم، وتقول إن مرض الكوليرا أخذهم، وأن ضميرها لا يؤنبها لأنها معدومة الحيلة، خصوصا بعد محاولتها إسعافهم لعدة مراكز صحية وتعرضها لمعاملة عنصرية من قبل بعض العاملين الصحيين.

نظرة فاحصة

يسكن المهمشون منازل غير صحية، جدرانها من الصفيح وإطارات السيارات والقش، حتى وسائل الوقاية الصحية لحماية فئاتها من أمراض معدية باتت معدومة. هذا المستوى المعيشي للمهمشين جعل مساكنهم بلا خدمات صحية أو علاجية، وتتنصل الحكومة من إيصال شبكات مياه نظيفة لمنازلهم أو توفير خدمات الصرف الصحي لهم، مما أسهم في تفشي مرض الكوليرا وأمراض معدية كثيرة تهدد قرابة 3.5 مليون مواطن من المهمشين. قدرت أعدادهم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

ويعيش أغلب المهمشين من ذوي البشرة السوداء تحت خط الفقر المدقع، وترتفع معدلات البطالة بينهم، كما تنتشر الأمية بين صفوفهم، في ظل ضعف حملات التوعية الصحية بينهم، وقد أسهم ذلك في تردي الأوضاع الصحية وانتشار الأمراض المعدية بنسب كارثية.

بحسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة في اليمن اليونيسيف، أكثر من 5 ملايين طفل مهدد بمرض الكوليرا أو الإسهال المائي الحاد، الأمر الذي دفع المنظمة الأممية إلى أن تدق ناقوس الخطر المحدق بصحة الأطفال عقب تسجيل 115 ألف حالة اشتباه بالكوليرا في 290 من مناطق اليمن.

وأكد نائب مدير مركز الوفاء الصحي طاهر غالب لـ”صوت المهمشين” أن مرض الكوليرا تفشّى بين تجمعات المهمشين، حيث يرصد 4 حالات إصابة مؤكدة يوميا، و4 حالات مشتبه بها، وهذه الأرقام تشكل كارثة صحية.

ويعود ارتفاع الإصابات بالكوليرا إلى تدني الوعي وانتشار القمامة بجانب التجمّعات السكنية وانتشار البعوض وعدم الاهتمام بتجمعاتهم السكنية من قبل صندوق النظافة والتحسين والمنظمات. بحسب ما أوضحه غالب لمراسلنا في تعز.

فقر مدقع وغياب الدولة

أكد رئيس الدائرة الصحية للاتحاد الوطني لتنمية الفئات الأشد فقرا (المهمشين) بتعز شكيب قائد حسن لـ”صوت المهمشين” أن أوساط الفئات المهمشة وغياب دور الجهات الصحية في دعم برامج الرعاية الصحية الأولية، ساعد في تدهور الأوضاع الصحية بين المهمشين. “المهمشون فقراء، ودخلهم المالي محدود جدا، فهم لا يستطيعون استئجار منازل ذات شروط صحية مناسبة للسكن تقيهم من الإصابة بمرض الكوليرا”، بحسب حسن.

وفي ظل عدم اهتمام الدولة بتجمعات المهمشين واستبعادهم من خطط التوعية الصحية، اقترح حسن أن يُختار شباب وشابات من المهمشين أنفسهم وأن يُدرّبوا ويُؤَهلوا ويُدمجوا ضمن الحملات التوعية الصحية بمخاطر مرض الكوليرا، ودعا منظمات المجتمع المدني المحلية والدولية إلى تبني مثل هذه الأنشطة.

وعدّ حسن هذه الخطوة التوعوية ناجحة وقابلة للتطبيق، مشيرا إلى إمكانية انتشار هذه الفرق ميدانيا بين المهمشين وتوعيتهم صحيا بطرق انتقال الكوليرا والوقاية بأسلوب واضح ومقنع من أجل تغيير عاداتهم غير الصحية.

بيئة خصبة للمرض

أوضحت الطبيبة رقية محمد سالم أن شرب المياه من مصادر غير آمنة مثل الآبار المفتوحة أو الأواني غير المغطاة وتخزين المياه بطريقة غير آمنة وتناول الطعام الملوث وعدم غسل الفواكه قبل الأكل، إضافة لعدم توفر البيئة النظيفة المزودة بالخدمات الصحية، جميعها أسباب لمرض الكوليرا.

كما يهدّد مرض الكوليرا فئة الأطفال في مجتمع المهمشين، فالرعاية الصحية اللازمة والاهتمام بالنظافة الشخصية غير متوفرة لأبنائها. ومن المعوقات لمكافحة تفشي وباء الكوليرا عدم توفر الفحوص المخبرية والعلاجات في معظم المراكز الصحية، بالإضافة إلى غياب دور المنظمات الصحية لتزويدهم بالعلاج، كما يمكن الوقاية من الكوليرا والإسهال المائي الحاد وعلاجهما إذا توفرت مياه نظيفة ومرافق الصرف صحي، بحسب مختصين.

حلول مسكّنة

واعتبرت اليونيسف أن انتشار الكوليرا في اليمن هو أسوأ ما يمكن أن يحلّ بهذا البلد الذي يمزقه النزاع، إلا أنه كان متوقعاً نظراً لانهيار المنظومة الصحية، فثمة أكثر من 600 مرفق صحي لم تعد تعمل، كما أن كثيرا من المرافق التي ما زالت تعمل تعاني من قلة الموظفين، أو أنها تعمل بأدنى طاقتها التشغيلية.

ويرى مهمشون أن إنشاء مركز الوفاء الصحي التابع للمدينة السكنية من قبل البنك الدولي في عام 2007م بمدينة تعز تجربة هامة وفريدة في عموم اليمن.

وتشير مسؤولة الصحة والتغذية في منظمة اليونيسيف في اليمن الدكتورة نجوى الذيب إلى أن الطفل اليمني عرضة للموت في أي لحظة إذا لم يحصل على العلاج الملائم في الوقت المناسب. وتقوم منظمة اليونيسف بتزويد المستشفيات والمرافق الصحية في جميع أنحاء البلاد بأملاح الإماهة الفموية والسائل الوريدي ووسائل مكافحة الإسهال وتدريبات أساسية للموظفين من أجل تزويد الأطفال المصابين بالعلاج فورا، بحسب تأكيدات الذيب.

في عام 2017، تمكنت اليونيسف ومنظمة الصحة العالمية من احتواء انتشار الكوليرا برفع الوعي في المجتمع، وتوفير الماء والصحة والصرف الصحي والاستجابة الصحية، من بينها تعزيز الرقابة وتدقيق الحالات، ونشر فرق الاستجابة السريعة في كثير من المناطق المتضررة، ورفع مستوى علاج الكوليرا والإسهال المائي الحاد، واتخاذ إجراءات ستتواصل هذه السنة لرفع المعاناة عن الأطفال والأسر.

( أنتجت هذه المادة بدعم من منظمة “lnternews” ضمن مشروع “Rooted in trust” في اليمن)

الصورة لمنظمة اليونيسيف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.