المهمشون.. غياب الصرف الصحي وحضور للأمراض والأوبئة

‏  6 دقائق للقراءة        1078    كلمة

“لم أتمكن من بناء حمّام لأنني لا أمتلك المال، والحمام بحاجة إلى مواد ووصلات معدنية وبلاستيكية تربطه بشبكات الصرف الصحي، وهي بعيدة جدًا عن منزلي؛ لأننا نسكن في مقبرة أساسًا، ونحن بحاجة لمن يساعدنا على ذلك، لكن لم يلتفت إلينا أحد، لا منظمات ولا دولة”، بهذه الكلمات قابلنا في محوى بير باشا بتعز المواطن الخمسيني سمير صالح، ويضيف سمير، وهو من فئة المهمشين، بأنه لا يملك حمّاما، ويقضي حاجته مع أسرته في العراء، ولا يستطيع بناء حمام لأنه يحتاج إلى أموال كثيرة وتكاليف نقل وتوصيل وربطها بشبكات الصرف الصحي، ولا يقدر عليها خصوصًا أنه يعمل “حمّالا” ينقل المواد الغذائية في المحال التجارية، ويتقاضى أجورا زهيدة مقابل ذلك.

79% من المهمشين في عدن يمتلكون دورات مياه معظمها ليست سليمة أو صحية، وعشرات من التجمعات في محافظة تعز منعدمة بلا شبكات للصرف الصحي وبلا دورات مياه.

يقول عمر قائد عاقل مجمع الحُمرة الواقع في حي الضَّربة وسط مدينة تعز: “المحوى بلا شبكات صرف صحي، وعشرات الأسر ليس لديها دورات مياه في الأساس، ويقضون حاجتهم في العلب البلاستيكية أو في العراء، هذا حالهم منذ سنوات”، مشيرًا إلى أن قليلا منهم يتخذون زاوية بسيطة مفتوحة بجانب عشّتهم (العشة مسكن من سعف النخل غالبا) دورةَ مياه بديلة.

كثير من التجمعات السكنية داخل المدينة وأطرافها لا تملك شبكات صرف صحي والخدمات الأساسية فيها منعدمة، على وفق أحاديث متفرقة للمهمشين الذين يعيشون فيها، سواء أكانت هذه الخدمات متعلقة بالصرف الصحي أم الكهرباء أم الماء، مثل تجمع الحُمرة والروضة والضَّبُوعة والثورة وكِلابة والمسبح ودي لوكس ووادي المعسل والمفتش وبير باشا.

وبحسب دراسة ميدانية لمنظمة الأمم المتحدة يونيسف، شملت مسح مجمعات المهمشين في مدينة عدن، تبيّن أن 79% من المهمشين يمتلكون دورات مياه معظمها ليست سليمة أو صحية، بينما عشرات من التجمعات في محافظة تعز بلا شبكات الصرف الصحي ومن دون أي دورات للمياه.

عشوائيات

يرى العاقل عمر أن مساكن المهمشين ليست إلا عشوائيات تنعدم فيها جميع الخدمات الأساسية، ووضعها لا يؤهّلها للعيش والاستقرار، غير أن المهمشين مجبرين على العيش فيها لأن الجميع يرفضهم ويهمشهم مجتمعا ودولة، مشيرًا إلى أن المهمشين أنفسهم لم يتمكنوا من إنشاء حمامات لعدم وجود شبكات صرف صحي كذلك.

ويوضح عاقل تجمع بير باشا سالم محمد أن منظمة “كير” الدولية، كانت قبل ثلاثة أعوام قد بادرت في إنشاء حمامات للأسر التي تعيش في المحوى، لكنها انسحبت ووقفت مشروعها بسبب عدم وجود شبكة صرف صحي في المحوى أو مجرى صرف صحي رئيسي وعدم ارتباطه بشبكة الأحياء والشوارع المجاورة.

ويضيف سالم بأنه عمل في تلك الفترة على المتابعة والتنسيق مع الصندوق الاجتماعي للتنمية في المحافظة، ووضع مجرى رئيسي للصرف الصحي بجوار محوى المهمشين، وعملوا على ربطه بشبكة الصرف الصحي للأحياء والمناطق المجاورة، مشيرًا إلى أنه تواصل بعد فترة من ذلك مع منظمة “كير” لعودتها ببدء تنفيذ مشروع إنشاء دورات المياه، لكنها قالت إنها قد نفذت ذلك المشروع في مناطق أخرى.

صورة من الواقع

تخلو تجمعات المهمشين في مدينة تعز من شبكات الصرف الصحي، وتفتقر معظمها إلى خدمات دورات مياه صحية؛ إذ تجد تلك التجمعات متوّزعة على الأحياء السكنية للمدينة ويأخذون من زواياها مساحات بسيطة أو عشوائيات ويبنون فيها أكواخهم، ولا تتصل أبدًا بالخدمات العامة كالصرف الصحي والكهرباء وغيره.

وفي جولة ميدانية لمراسلنا في التجمعات السكنية للمهمشين في مدينة تعز، وجدها من دون شبكات صرف صحي، ومنازلها المتناثرة بـالعُشش والأكواخ المبنية من الصفيح من دون دورات مياه أيضًا، وإن وجدت في النادر، فهي زاوية تُحجب بالقليل من القماش المعلق عليها للستر، ولا يتوفر فيها أي إمكانيات دورات المياه السليمة.

التشارك في المراحيض يعرّض كثيرا من المهمشين للإصابة بالأمراض وتناقل عدواها بينهم، خصوصًا عند قلّة النظافة، وانعدام أدوات التعقيم اللازمة، وعلى وفق منظمة الصحة العالمية، تنتقل أمراض البكتيريا والفيروسات عبر المراحيض؛ لأنها تعيش على سطحها، ويصبح الشخص أكثر عرضة للإصابة بها إذا تُنظّف وتُعقّم.

انتشار الأمراض والأوبئة

كان لغياب شبكات الصرف الصحي وانعدام دورات المياه في مساكن المهمشين تأثير عميق في انتشار الأمراض المعدية والأوبئة بين أوساط أبناء الفئة، خصوصًا وباء الكوليرا ووباء حمّى الضنك وكوفيد 19، وهذه الأوبئة تعتمد وسائل الوقاية منها وتجنبها على النظافة الشخصية ونظافة المسكن والبيئة وتوفر دورات المياه وصرف صحي جيد، وكل ذلك ينعدم في مساكن المهمشين.

وقد اجتاح وباء حمّى الضنك في الأشهر الأخيرة مدينة تعز وأصيب به كثير من المهمشين لأنّ عدوى الوباء تنتقل بحشرة البعوض التي تعيش في المياه الراكدة والأماكن المفتوحة، بحسب حديث نائب مدير الإعلام والتثقيف الصحي بمكتب الصحة في المحافظة تيسير السامعي.

ويضيف السامعي أن عدم وجود حمامات وصرف صحي في مساكن المهمشين أسهم في انتشار البعوض الناقل لعدوى حمّى الضنك، وشكّل ذلك بؤرا للبعوض، وإن وجدت الحمامات فهي ليست مغلقة تمامًا، ويستمر البعوض في التنقل ونقل عدوى الأمراض الأوبئة بين المهمشين والمنطقة كاملة.

وبحسب تقارير منظمة الصحة العالمية، يؤدّي سوء الصرف الصحي وحده سنويًا إلى نحو 432 ألف حالة وفاة مرتبطة الإسهال، وبأمراض أخرى مثل الكوليرا والدوسنتاريا والتيفوئيد والتهاب الكبد الوبائي وشلل الأطفال.

التشارك في المراحيض

تقول دراسة ميدانية ليونيسف أجرتها على مجمعات المهمشين في مدينة عدن إن 63% من المهمشين يتشاركون المراحيض عند الأقارب والجيران ممن لا يمتلكون دورات مياه، وهناك من يستخدم العُلب البلاستيكية طوال حياته، وهذا يشير إلى غياب النظافة وسوء الصرف الصحي، فتتزايد انتشار الأمراض والأوبئة.

وتشير الدراسة إلى أنه لا يوجد فوارق بين الجنسين باستثناء فارق هامشي، بواقع نقطتين مئويتين تبعا لنوع الأسرة، أما بحسب طبيعة الإقامة، فتعتبر الأسر المقيمة أوفر حظًا من جهة امتلاك مراحيض، قياسًا بالأسر النازحة وبواقع نقطتين مئويتين؛ إذ تتشارك 259 أسرة المراحيض مع أسر أخرى، ويبلغ متوسط عدد الأسر التي تتشارك مرحاضا واحدا ببواقع 2-5 أسرة بين الأسر المقيمة و2-3 للأسر النازحة.

وبحسب دراسة لليونيسيف في عام 2022، الغالبية العظمى من المراحيض بواقع 91% ليست إلا مراحيض متصلة بسيفون شطف تقوم بالتصريف إلى شبكة المجاري بعدد 4012 أسرة، بينما 32% أي أكثر مِن ألفي أسرة تقوم بالتصريف إلى تيارات و8% أي 526 أسرة تمتلك مرحاضا هو حفرة بدون بلاط، أي حفرة مفتوحة على سطح الأرض، و1% أي 60 أسرة تقوم بالتصريف إلى العراء أو الشوارع.

( أنتجت هذه المادة بدعم من منظمة “lnternews” ضمن مشروع “Rooted in trust” في اليمن)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.