من يكون ذاك الفتى !؟

‏  5 دقائق للقراءة        911    كلمة

من يكون ذاك الفتى !؟

يكتب جازم غانم سالم عن قصة شاب جريح من المهمشين فيقول … ظهر اليوم بالقرب من نادي الصقر وفيما كنت ارتشف شئ من الشاي أمام احدى البوفيهات رأيته ..

احد المهمشين , جريحاً في احدى سيقان قدميه المحاطة بمسامير معدنية تبدو كسياج يمنع تشتت عظامه ويحفظها  ..

يمشي بصعوبة وتثاقل رغماً عنه ..

كان كفرخٍ ممطور أضاع الدرب ,  يتوسط الشارع متلفتاً حوله يصرخ بإبتسامة مستجدية في وجوه سائقو الباصات قائلا ( بخمسين للحصب ! )  ..

لا أحد يأبه له والكل يهرب منه !

ما الذي أراه , !؟

لِمّ جميعهم يفرون منه !؟

لماذا يتحاشوه !

أهو بسبب لونه !؟

أم بسبب جراح قدمه !

أم بسبب الخمسين ريال التي عرضها عليهم شخص مثله وليس فتاة ناعسة العيون ناعمة الصوت !؟

يا لبؤسكم..

مشهد مقزز و مُزري زلزلت لقطاته كل ركن في قلبي الضعيف ..

انتفضت ك ثائرٍ تعزي فبرايري من مكاني تاركاً كأس الشاي الدافى رغم انزعاج راحة كفي المتدثرة بسخونته لقصر زمن الدفء الذي اعتادته يوميا حينها !!

يا لله ما الذي اراه ؟؟

الى هنا و كفى ..

لا بد أن أقطع هذا المشهد التراجيدي الحي غير التمثيلي !!

لكن و فجأةً !

و قبل أن أخطُ خطوة واحدة تجاه ميدان الملحمة !!

كفرسٍ عربي اصيل دلف للميدان شاب أنيق يركضُ ..

بل هو فارسٍ عربي أصيل إن أنصفت في وصفه حقاً !

من أين أتى ؟

لا ادري !

هذه المرة لم أكن وحدي ؟

لقد اغتصب أنظار الجميع نحوه بإستغراب !

شاب جامعي يحمل دفتره وبعض ( الملازم ) الجامعية في يده ..

كان يلهث وبغضبٍ وقف متقطعاً أمام أحد الباصات ..

رافعاً يده كقائد فرقة اوركسترا ملكية صارخاً بوجه سائق الباص الذي كان قد حاول تحاشي ذلك المسكين كسابقيه قائلا له : دعه يستقل الباص وانا سأدفع عنه ..

وافق السائق تحت ضغط جذوة قهر تبدت من عينا ذلك الشاب , أضف الى حصار اطبقته نظرات المتفرجين الذين كنت انا احدهم ..

صعد ذلك الجريح المسكين وهو يكاد لا يصدق فيما الشاب يساعده ..

سأله الشاب : اين منزلك !؟

قال له : مدينة النور , لكن يكفيني ان يوصلني للحصب وانا سأواصل للبيت !

قال له الشاب بحماس : لا با يوصلك لقدام بيتك وهذه 500 ريال لا تعطيه اياها الا اذا اوصلك لمنزلك وممنوع حد يركب معاك , هذا مشوار خاص لك …

هرب المتفرجين من حولنا جميعهم !

فيما بقيت انا وحيداً أتمتع  بصدى و دوي ذلك التصفيق الرهيب الذي ملأ مدرجات قلبي وقلب ذلك المسكين ..

ذلك المسكين تصارعت قسمات وجهه بين شعور بيزنطي لا أظنه قد شعر بزهوه من قبل , و فرحة  , ومحاولة ناجحة في كبت دمعةٍ كادت تفر من عيناه وهو ينظر في عينا ذلك الشاب لا يدري ماذا يقول من صدمة روعات ذلك الموقف , ومن عظمة ذلك الهرم الانساني في قلب ذلك الشاب ..

أقصى ما فعله و هو ينظر لوجه ذلك الشاب هو إلقاء تحية وداع وشكر له دون أن تنبس شفتاه بحرف واحد ..

ربما غُصة حزن او سعادة في حلقه منعته من ذلك !؟ لِمّ لا !!؟

بالأكيد قلبه كان يقول الكثير بل ويدعو الكثير لذلك الشاب ..

مضى الباص قليلاً ليلتفت ذلك المسكين محدقاً بنظرة وداعٍ في تفاصيل و وجه ذلك الشاب !؟

لماذا !؟

ايضاً لا أدري !؟

هل ليتأكد أنه فعلاً بشر مثلنا ومثله وليس بملاك !!

مثله أنا ايضاً ..

مرق ذلك الشاب كسهم مضئ من أمامي لتبتلعه زحمة الشارع الذي أظن أن إسفلته تلبد مشدوها مثلي أيضاً..

جازم يا رجل ما الذي يحدث حولك ..

وهذا من يكون !؟

من أنت ايها الشاب الذي لم تسعفني تلك اللحظات لأحفظ ملامح وجهك ..

ما لاحظته عيناى فقط هو سماعة الهاتف المتدلية على صدرك ..

قَصّةُ شعرك الغريبة رغم قيود الجِل المُطبقة عليها ..

ذلك البِنطال الذي لطالما سخرت من لبس الشباب له ..

أشياء عصرية كثيرة لاحظتها عليك و أمقتُها !

لكنني ما لم ألاحظه وهو أكثر من كل التفافات هذا العصر و تقلباته هو ذلك الإنسان الذي يستوطنك دون الكثير ..

إن قرأت حروفي هذه يا فتى , فإعلم علم اليقين أنني قد قصرت في وصفك ..

أنت أبهى ..

أنت أرقى ..

أنت أروع ..

مما كتبت عنك ..

كنت من كنت ..

يكفيني فخراً أنك من نسل هذه المدينة التي اعشق هوائها وترابها وسمائها حد المُجوون..

يكفيني أنك تمشي على ترابها ..

بمثلك افتخر ..

كُن من تكون ..

أنت أمل وطن وشعب أظنه بمثلك لن يهون ..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.