دواء مفقود ومعاناة مستمرة.. حكايات يرويها مرضى الفشل الكلوي

مِن المستشفى الجمهوري بالعاصمة اليمنية صنعاء، ومِن أمام وحدة الغسيل الكلوي، يجلس علي جَيّاش (32 عاماً) على كرسي متحرك، منتظراً دوره ليقوم بعملية غسيل الكلى، بنظراته المليئة بالتعب وتجاعيد وجهه التي شاخت رغم صغر سنة. أُصيب علي بالفشل الكلوي منذ 5 سنوات. إنه المرض الذي يرافق المريض طيلة حياته.

يضطر علي لتحمل تكاليف السفر، وعناء الطريق من محلّ إقامته في مدينة ثُلا مرتين في الأسبوع. يقطع علي في رحلته للبحث عن العلاج ما يقارب 120 كيلومترا ذهاباً وعودة في كل رحلة، لإجراء جلستي غسيل كلوي في مركز الغسيل بالمستشفى الجمهوري بصنعاء.

يقول علي لصوت المهمشين: “تكاليف التنقل من قريته الى صنعاء أصبحت مكلفة جداً، بالإضافة إلى تكاليف جلسات العلاج. في الفترة الأخيرة لم أعد أحتمل كل هذه التكاليف. تراكمت عليّ الديون بشكل كبير. ينبغي أن يكون العلاج مجانيا لمريض الغسيل الكلوي؛ لأن المرض مزمن ويحتاج إلى علاج طول العمر”.

في ممرات المركز الضيّقة مقاعد متحركة عليها أجساد منهكة، أقدام تتحرّك بخطوات حثيثة نحو مجهول ينتظرهم بالداخل، نساء ورجال يبتهلون بالدعاء وينتظرون خروج ذويهم سالمين، تساؤلات تمتلئ بها وجوه المرضى بلا إجابات واضحة، مشهد مليء بالضبابية والغموض، وعلى الجانب الآخر يقف آخرون في طابور على شباك تذاكر، يتوسلون من أجل الحصول على سرير في وحدة الغسيل.

يواجه مرضى الفشل الكلوي خطر الموت بسبب النقص الحاد في محاليل غسيل الكلى وانعدام الأدوية وارتفاع كلفتها، وذلك نتيجة تداعيات الصراع والحصار، وتوقف صرف المرتبات الذي أدّى إلى تدهور معيشة المرضى.

الجدير بالذكر أن وزارة الصحة في شهر نوفمبر من العام الماضي عقدت مؤتمرين صحفيين، وأكّدت خلو مخازنها ومراكز الغسيل الكلوي من المحاليل والأدوية الخاصة بمرضى الفشل الكلوي. وحذّرت وزارة الصحة بأن هناك أكثر من خمسة آلاف مريض بالفشل الكلوي مهددون بالوفاة إذا توقفت جلسات الغسيل، مؤكدة عدم وصول دعم من المنظمات الدولية لتوفير مواد ومستلزمات جلسات الغسيل، مما يُنذر بكارثة وشيكة.

وأفادت الوزارة أن مرضى الغسيل الكلوي يحتاجون إلى 500 ألف جلسة غسيل سنوياً، ويتراوح سعر جلسة الغسيل بين 30 إلى 40 دولاراً، بالإضافة إلى التحاليل والأدوية المصاحبة لكل جلسة، وقد وضّحت الوزارة أن هيئة مستشفى الثورة العام بأمانة العاصمة تستقبل 170 إلى 220 حالة يومياً من مناطق مختلفة من محافظات البلاد.

المشهد هنا أبلغ مِن أي كلام، واقع مؤلم يعانيه مرضى الفشل الكلوي في وحدة غسيل الكلى، بالمستشفى الجمهوري بصنعاء، فالمعاناة شديدة، ولا تقتصر على الألم، فالأعباء المالية وتكاليف العلاج الباهظة، وتقليص ساعات الغسيل الكلوي فاقم من تلك المعاناة.

على أحد الأسرّة وبالقرب من جهاز لغسيل الكلى، يجلس سليمان العَمّاري (54 عاماً) وقد رسم المرض على ملامح وجهه علامات الشقاء والعناء، منتظرا لعملية غسيل كلوي بشكل دوري مرتين في الأسبوع. يقول سليمان لصوت المهمشين: “تستمر جلسة الغسيل من ثلاث إلى أربع ساعات. يموت المريض ويعود للحياة خلال جلسة الغسيل. أحياناً يرحمنا الله ويغلبني النوم أثناء جلسة الغسيل، ولا أصحو إلا نهاية الجلسة”. ويضيف سليمان: “تدهورت حالتي بعد تخفيض جلسات الغسيل من ثلاث جلسات في الأسبوع إلى جلستين، بسبب الازدحام الشديد، وعدم توفر المحاليل الخاصة بغسيل الكلى”.

وطالبت وزارةُ الصحة اليمنية الأمم المتحدة بالقيام بواجبها من أجل رفع الحصار، وفتح مطار صنعاء الدولي، للسماح بدخول الأدوية والمستلزمات الطبية لإنقاذ حياة المرضى بمن فيهم مرضى الفشل الكلوي، ونوّهت الوزارة أن هناك أكثر من 498 جهاز استصفاء دموي في 17 مركزاً يحتاج إلى صيانة دورية، مبينة أن محافظات رَيْمة ولَحْج وأَبْين والجَوف والضَّالِع والبَيضاء لا يوجد فيها مراكز لغسيل الكلى.

يقول وكيل وزارة الصحة لقطاع الطب العلاجي الدكتور على جَحّاف لوكالة الأنباء اليمنية سبأ: “خاطبنا الأمم المتحدة والمنظمات الصحية العاملة في اليمن بأننا بحاجة لتوفير مخزون دوائي كافٍ لجلسات غسيل الكلى لعام 2023م، ولم نتلقَ استجابة على الرغم من المخاطبات واللقاءات المتعددة بهذا الخصوص”.

بشكل اعتيادي، يحضر الحاج صبر الصُّباري (67 عاماً) يومين من كل أسبوع، أمام مركز الغسيل الكلوي بالمستشفى الجمهوري بصنعاء، ينتظر ابنته حتى تنتهي من جلسة غسيل كلوي تستغرق ساعات. يقول الحاج صبر بلهجته العامية لصوت المهمشين: “بنتي عندها فشل كلوي، نجلس أنا وهي بالمستشفى أكثر من البيت، المستشفى زحمة وتجلس تنتظر أربع أو خمس ساعات إلى أن يصل دورك، لا يوجد حتى كراسي تجلس تنتظر عليها”.

لا يعلم بحجم معاناة مرضى الفشل الكلوي إلا المرضى أنفسهم وأسرهم. رحلة من المعاناة وتراكمات من الضغوط النفسية والجسدية والمالية يتعرّض لها مريض الفشل الكلوي وأسرته في رحلة العلاج، فمَن لهؤلاء المرضى؟! مَن يزيح المعاناة التي تُطبق على صدروهم بشتى صنوف الألم وأنواع المهموم؟!

 

( أنتجت هذه المادة بدعم من منظمة “lnternews” ضمن مشروع “Rooted in trust” في اليمن)

المقالة التالية
رفضُ أولياءِ الأمور للقاحات قناعاتٌ بالإمكان تغييرها
المقالة السابقة
صحة اليمنيين رهن للأدوية المهرّبة والمزورة وجشع التجار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Fill out this field
Fill out this field
الرجاء إدخال عنوان بريد إلكتروني صالح.
You need to agree with the terms to proceed

مقالات مشابهة :

الأكثر قراءه

━━━━━━━━━

كتابات

━━━━━━━━━