المرأة المهمشة.. خارج حدود الحياة الآمنة

يرستين النهمي

‏  8 دقائق للقراءة        1556    كلمة

تواجه المرأة المهمشة صعوبات وتحديات جمة، لا نهائية، تبدأُ بالتعنيف الأُسري، وتنتهي بالتحرش المجتمعي، مروراً بتهميش دورها المحوري الذي لولاه لكان لها دوراً فاعلياً، على مستوى البيئة المجتمعية والمحيط الوطني برمته.

فالمرأة المُهمشة تُعدُ مثالاً للإنسان المضطهد، المُمارس ضده كل أنواع القسر والعنف والظلم والتمييز والعنصرية؛ تعيش حياة محفوفة بالمخاطر والمُعاناة، تكاد تكون خارج حدود الحياة المستقرة والآمنة. تُكافحُ بكلِ قواها للتوفيق بين الأعمال القاسية التي تُعرضُها لشتى أنواع الخطر والامتهان؛ للحصول على لقمة العيش، وبين متابعة أعمالها المنزلية والأُسرية.

ما تتعرض له المرأة المهمشة، يأتي في سياق الإثنية العرقية التي تنتمى لها، مما يجعلها منبوذة، لا تحظى بحقوقها. ورغم أن الدستور اليمني نص في المادة 41 على : ” أن جميع المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات” إلا أن المهمشين لم يتم مساواتهم مع بقية الأطياف الاجتماعية. بالإضافة إلى أن مساواة المرأة بالرجل أتت ناقصة لاشتراط المادة 31 على أن تكون المساواة وفقاً للشريعة الإسلامية ونصوص القوانين؛ علماً أن هذه الأخيرة، تعطي الرجل صلاحيات سلطوية واسعة جداً. وعليه فإن المرأة اليمنية لازالت تُناضل من أجل حقوقها؛ عبر التحالفات والتجمعات والاتحادات النسوية؛ وللأسف لم يتم إشراك المرأة المهمشة بذلك إلا رمزياً؛ اقتصرت على العضوية فقط دون السماح لها بوضع أفكارها وخططها ورؤيتها، وعدد المشاركات في هذا المجال قليلات جدا.ً حيث نجدهن اتجهن للمشاركة في منظمات خاصة بالمهمشين وتفاعلن وأبدين آراؤهن فيها من أجل إيصال أصواتهن للعالم .

يجدر الإشارة هُنا إلى أن التحقيق يُركز بشكل أساسي حول المرأة المهمشة التي اُجهضت أحلامها وطموحاتُها، وتعرضت للعنف والتحرش، مع استثناء أولئك اللتين تخلصن من القيود ووصلن لأهدافهن، ومنه سوف نتطرق إلى حيثيات التحقيق الذي أجريته مع عددٍ من المهمشات في أمانة العاصمة .

كفاح مزدوج

تضطر المرأة المهمشة للخروج إلى الشارع، وولوج الأسواق، والبقاء نحو ساعاتٍ طويلة بعيدة عن المسكن، وذلك للعمل في التسول وبيع الحلوى في الطرقات وتنظيف الشوارع؛ لأجل كسب القليل من المال الذي تعيل به نفسها وربما أسرتها. يأتي ذلك نتيجة للفقر والعوز والفاقة، عندئذ تدفعهنُ الحاجة لتضعهن في مواقف لا يُحسدن عليها، يتعرضن خلالها للتحرش الجنسي، والمخاطر الجسدية، والانكسار النفسي.

تقول “فاطمة” البالغة من العمر 21 عاماً “أثناء عملي الذي امتهنهُ في تنظيف الشوارع، أتعرض للتحرش من المارة، وصل الحد بأحدهم حد الهجوم عليّ، واوشك على اغتصابي، وكنت أصرخ وأقاومه بشدة، حتى أنقذني أحدهُم كان يمر في الشارع المُقابل” لا يقتصر الأمر على التحرش فقط، بل يمتد إلى الاغتصاب الذي قد تَحمِل على إثره المرأة المهمشة، وتتحمل عواقب ذلك وحدها .

يُصاحبُ العمل التزامات متعددة تقع على عاتق المرأة المهمشة، أعمال المنزل، وتربية الأبناء، ومتابعة المهام الأخرى، فبعضهن يقُمن باصطحاب أطفالهن معهن أينما ذهبن، حتى يتسنى لهن الاطمئنان عليهم، فهُن لديهن قلوب مُرهفة، كيف لا وهو قلب الأم التي تحنُ إلى أطفالها. “سلمى محفوظ ” إحدى الأمهات اللتين يتجرعن مشقة العناء من أجل التوفيق ما بين البحث عن لقمة العيش وبين الأمومة، فقد أخبرتني “أنها تُكابد المشقة والعناء كل يوم، إزاء تسولها في الشوارع وسط الزحام برفقة رضيعها الذي تظل تحمله لساعات طويلة”. هذه الأعباء المزدوجة تزداد وتيرتها في أحايين عدة، وتزداد مشتقتها، وتعرض المرأة للخطر خاصة إذا كانت تعيل أسرتها لوحدها.

“مائة ريال مقابل تحرش جزئي”

تذهب المرأة المهمشة إلى الأسواق المكتضة ليس للتسوق كغيرها من النساء، بحيث أن “أسواق القات” تعد من الأسواق التي ترتادها بكثرة؛ وذلك للتسول وقت الظهيرة حين تكتظ هذه الأسواق بمرتادوها، مما يعرضها لخطر التحرش والعنف التعسفي والجريمة. فهي امرأة في مجتمعٍ غرائزي متوحش؛ يفعل ما لا يخطر ببالِ أحدٍ لإشباع غرائزه، يستخدم أساليب خادعة و إحتيالية، وينتهج مسارات تعسفية، ويمارس أدوات ترغيبية كالمال ومنح مساعدات تتفاوت من شخص لآخر. خلال زياراتي التقيت بالعديد منهن فذكرن لي فظاعة ما يتعرض له، فهذه مريم ياسر قالت ” غالباً ما يكون هناك مصداقية عند رجال السوق” وعندما تساءلت عن السبب، قالت ” الكثيرون يقولون أنهم سيعطوني ولم يفعلوا ذلك،فأحد هؤلاء قال لي إني جميلة ويريد ملامستي ومداعبتي قليلاً وسوف يدفع لي مقابل ذلك، ولأني رفضت حاول التحرش بي” .

كانت صباح ناصر صريحة جداً حيث قالت:” مائة ريال مقابل الكشف عن وجهي لمالك البقالة لرؤيتي” في سياق حديثها يبدُ أنها فعلت ذلك لبرهنةٍ من الوقت؛ معللة فعلتها “بحاجتها الضرورية للمائة الريال” وقد استطردت القول حتى ذرفت عينيها؛ نتيجة الظفر منها من قبل “مالك البقالة” وتعرضها للعنف اللفظي حينما رفضت تكرار الكشف عن وجهها كما فعلت سابقاً. لا شك أن الإنسانية في محنة كبرى، يستغل فيها؛ القوي الضعيف، والغني الفقير، والمحترش الضحية، التي تعد المرأة المهمشة المحتاجة للمال الضحية الأولى له . لا شك أن الألم الذي يعتصر قلب “صباح” يهز الذات السماوية، ويسترسل العقاب الإلهي؛ كونه ظلم كبير يمارسه مجتمع بأكمله ضد طبقة بأكملها.

خارج الحدود الآمنة

يتجاوز الأمر التحرش والتعسف ليصل لمرحلة العنف والقذف والسب والضرب للمهمشات الصغار اللتين يبعن الحلوى ويقمن بمسح زجاجات السيارات تحديداً في “جولة الرويشان”، فالطفلة “منية سعيد” تعرضت للعنف والقذف من أحد سائقو السيارات بعد أن اكملت من تنظيف زجاج سيارته، لا يوجد مبرر لذلك وإنما كما ذكرت ” أنها نظفت الزجاج دون أن تخبره”. حقيقة إنه مبرر أقبح من ذنب، لا يعفيه من فعلته، ونظراً لعدم وجود قانون منصف تزامناً مع نظرات المجتمع التمييزية نجا المعتدي بفعلته وسكنت الغصة في قلب الطفلة .

السواد الأعظم من المهمشات لم ينلن قسطهن من التعليم، وإن ذهبن للتعليم فإنهن سرعان ما يغادرن المدرسة؛ وذلك يعود إلى التمييز العنصري والتنمر القهري الذي تمارسه ضدهن زميلاتهن؛ مما يصيبهن نفسياً وعاطفياً ، ويترك أثراً كبيراً بداخلهن، يظل عالق بأذهانهن ويضع التساؤلات لديهن عن أسباب النفور والإستهزاء منهن..!

التكاليف الدراسية الباهظة مُشارك رئيسي في حرمان المهمشات من التعليم؛ نظراً لعدم قدرة أسرهن على دفعها، فقدرهن لا يقف عند هذا الحد، بل يدفعهن إضطراراً وقسراً للعمل مبكراً؛ لتوفير لقمة العيش الضرورية. أساسيات حياتية بسيطة حُرمن منها، ولا غرابة بذلك في ظل الثقافة المجتمعية السائدة التي كرست الطبقية و رسختها، وأوسعت جلداً؛ لتزيد من فوة الفوارق المصطنعة المقيتة، وتؤكد على عدمية المواطنة والتعايش، وكأن اليمن تعيش في عصور الظلام وليس عصور حقوق الإنسان والتقدم والمساواة..!

العودة نحو الحياة

لا عنصرية في الوجود؛ فالإنسان من أوجدها وطبقها على أخيه الإنسان؛ مُحاولاً بذلك إقصائه ليتسيد هو المشهد، ويظهر بزي الأمير وغيره بِمظهر العبيد. وجسدها نيلسون مانديلا بقوله ” لا يوجد إنسان ولد يكره إنسانا آخر بسبب لون بشرته أو أصله أو دينه، الناس تعلمت الكراهية، وإذا كان بالإمكان تعليمهم الكراهية؛ إذاً بإمكاننا تعليمهم الحب، خاصة أن الحب أقرب لقلب الإنسان من الكراهية”. فالطبيعة الإنسانية تمثل أرقى مراحل السمو والعلو، وإن العودة لجوهرها يزيل الفوارق والتمييز القائم على اللون والعرق والجنس، وآلية ذلك الشعور بالمساواة والأصل الواحد الذي تفرع منه الجميع.

الكراهية تنتهي بإرادة الوعي، والإدراك الجمعي لمخاطرها، ولا محالة أن العودة نحو الحياة تكمن بالعودة نحو الطبيعة الإنسانية الصافية. ولإحقاق ذلك لتمكين المرأة المهمشة من إنماء وعيها وسبر أغوار الكراهية لمعالجتها، والتخلص من معاناتها، وخلق قبول مجتمعي لها ولأدوارها وفاعليتها، أضع المقترحات والتوصيات التالية:
أولاً/ للسلطة السياسية والمنظمات الفاعلة:

1 ـ تركيز البرامج التعليمية وتسهيل الإلتحاق بها حتى تعُم جميع النساء المهمشات، وترفع درجة الوعي لديهُن، وتُنمي قدراتهن العقلية والذاتية، لِيكن أكفاء علمياً ومهنيا.
2 ـ تكثيف الدعاية الإعلامية الهادفة؛ لإستهداف المرأة اليمنية من أجل تعديل نظرتها نحو المرأة المهمشة؛ حتى تشعر بالمساواة معها.
3ـ صناعة الثقة النفسية للمرأة المهمشة، من خلال معاقبة من يعاديها، وردع من يسخر ويستهزئ بها، وتطبيق الإجراءات المغلظة على من يعتدي عليها.
4ـ إدماج المرأة المهمشة مجتمعياً وتنظيمياً، لتعلب دورها في مجال الابتكار والإبداع والتجديد والتطوير، فلا شك أنها ستقدم نماذجاً عظيمة.

ثانياً/ للمجتمع المدني اليمني:
1 ـ استشعار الطبيعة الخُلقية للمرأة المهمشة، والسماح لها للقيام بدورها، وفتح المجال لها لتشارك في الحركات النسوية اليمنية بكلِ قدراتها وفي كل المجالات.
2 ـ تطبيق العدالة البينوية من المجال الضيق (الأسرة) حتى المجال الواسع (الوطن) لتكريس أحقية المرأة المهمشة في البقاء عزيزة كما يحلو لها في ربوع اليمن.
3 ـ ترسيخ ثقافة جديدة تقوم على لا عنف، لا تحرش، لا تمييز، لا عنصرية، لا استعلاء، لا كراهية؛ كي تنال المرأة المهمشة حقوقها وتعود نحو الحياة الآمنة.

ثالثاً/ للمرأة المهمشة:
1 ـ النضال السلمي من خلال مجاهدة النفس لتغيير الحياة، عبر كل الوسائل المتوفرة، لإثبات أحقيتها في البقاء مثلها مثل غيرها من النساء. آلية ذلك من خلال عمل المرأة المهمشة الناشطة بكل جهد لتوعية الآخريات، ونقل معاناتهن ونجاحاتهن للعالم.
2 ـ رفض ما تتعرض له من ظلم، والدفاع عن نفسها بكلِ ما أوتيت من قوة، ليعلم كل من تسول له نفسه إستصغارها أنها قادرة على كسر تطلعاته وآماله.
3ـ إيمان المرأة المهمشة بقدرتها، وتجاهلها لكلِ المثبطات التي تواجهها في الحياة.

المرأة المهمشة بيدها مفتاح الحلول ليس فقط لمشكلاتها وأعبائها، وإنما كذلك للصراع الدائر في اليمن، فهي جزء مهم في التركيبة الديموغرافية (السكانية) اليمنية، تعلم جيداً بما يدور، وقد يكمن الحل السحري لحلحلة الأزمات في فكرتها، لذا يجب تمكينها لفعل ذلك وخوض تجربتها التي لا محالة ستكون مختلفة كلياً عن سابقيها.

احدى المواد المتقدمة لمسابقة “صوت المهمشين” اليمن الحر الاخباري 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.