العنصرية… سلوك ينشأ من الأُسرة

هكذا تعمل الأُسرة تعمل على تدوير العنصرية

‏  5 دقائق للقراءة        907    كلمة

لطالما كانت العنصرية مرضا ينخر في جسد المجتمع، وينتشر بين فئاته المتعدّدة ليصل إلى فئة الأطفال، ونجدهم رغم صغر سنهم يمارسون العنصرية من دون قصد منهم. سليم ذو العاشرة من العمر يغسل بشرته كل وقت بالماء والصابون اعتقادا بأنه سيتخلص من لون بشرته الأسود، وذلك بسبب ما تعرّض له من تنمّر في مدرسته.

 

تقول والدته: “حاولتُ جاهدة أن أقنعه أن هذا لونه، ولا يمكن أن يغيره، ولكن ما يواجهه في المدرسة من تنمر جعلني عاجزة عن إقناعه”. وفي السياق نفسه، تقول أم سناء عبد الله: “ذهبتُ في جلسة عائلية، وبينما نحن نتبادل الأحاديث تأتي إليّ ابنتي وتقول لي: لا أريد اللعب. سألتها لماذا؟ قالت لي: لأن الفتيات يقلن لا نريد أن نلعب مع خادمة (لفظ يطلق على فئة المهمشين في اليمن).

 

التطبيع الاجتماعي سبب للعنصرية
أوضح الباحث الاجتماعي منصور الصلوي أن هناك فرقا كبيرا بين التنشئة الاجتماعية والتطبيع الاجتماعي؛ فالتنشئة هي ما يأخذه الفرد ويكتسبه من خبرات ومهارات وأدوار اجتماعية ليكون أحد أعضاء المجتمع الصالحين والفاعلين، والتطبيع الاجتماعي هو نقل الخبرات والمهارات والأدوار القائمة وتشكيل الفرد كما يريده المجتمع.

 

ويوضّح أن معظم أبناء المجتمع اليمني، إن لم يكن جميعهم، لا تتم تنشئتهم اجتماعيا، ولا يحدث حوار بين الأب أو أفراد الأسرة والطفل أو المدرس والطالب، وإنما يُجري عليهم عملية التطبيع الاجتماعي وفق بنية المجتمع القائمة نفسيا واجتماعيا وثقافيا. الأمر الذي جعل البعض ينظر إلى ذوي البشرة السوداء نظرة دونية مزرية ويصفهم بـ”الأخدام”، وهكذا توارث الأبناء عن الآباء وعن الأجداد هذه النظرة بسبب التطبيع الاجتماعي.

 

ويضيف: “ما نراه من عدم تقبل الآخرين من ذوي البشرة السمراء وعدم التعايش معهم منذ الطفولة هو نتيجة للتطبيع الاجتماعي الذي لم يمنح فرصة للأبناء بمصاحبة المهمشين واللعب معهم، وهكذا تستمر وتتنامى النظرة الدونية للمهمشين”.

 

أساليب التربية الأسرية
أوضحت علياء عمرو الحامدي، اختصاصية اجتماعية، أن التغيرات الأخيرة التي حدثت في أساليب التربية في مجتمعنا اليمني على مستوى الأسرة والبيئة المدرسية المحيطة بالأطفال أدت إلى دخول مفاهيم غير سوية في التعامل مع الآخرين من عنصرية وتنمر وإقصاء ونظرة دونية للأطفال الذين هم أقل منهم في الوضع الاجتماعي والاقتصادي وغيره، بالإضافة إلى اكتساب مثل هذه الأساليب من الأسرة، فوجود أنموذج من الأسرة يمارس العنصرية ولا يحترم الفوارق يؤجّج الممارسات العنصرية في المجتمع ورفض فكرة الاختلاف.

 

وأشارت إلى أن مناهجنا التعليمية والتربوية والإعلام ترسّخ مثل هذه الظواهر، وكان لها دور في ظهور وبروز مثل هذه الظواهر السلبية التي جعلت التعصب للون أو للجنس اعتقادا مغروسا في نفوس الأطفال.

 

وترى آية خالد، ماجستير في فنون الكتابة للطفل، أن تنشئة الطفل على العنصرية تبدأ منذ الصغر، فنجد البعض من أولياء الأمور يقومون بمنع أبنائهم من التعامل مع أصحاب البشرة السوداء أو الوجود في أماكن يوجدون بها. وتبدأ التنشئة على هذا الأساس، وهذا ما نلحظه في المراحل الابتدائية من عنصرية وتمييز تعود بالتأثير السلبي على الطفل الممارس عليه التميز بسبب شعوره بالخوف من تحذيرات أو عقوبات أولياء الأمور.

 

وتوضح أن الطفل يمرّ بعدة مراحل، ومن الطبيعي أن يقوم الطفل بالسؤال عند رؤيته أشخاصا مختلفين، وهنا يجب أن يكون دور الأسرة إيجابيا في الرد وإجابة السؤال وإيصال الأفكار صحيحة غير مغلوطة.

 

وتضيف أن مرحلة الطفولة الأولى يبدأ الطفل بالاستجابة لها، بعد ذلك تأتي مرحلة التفكير غير المخطط أو الإدراج الشكلي غير المنتظم، ويبدأ الطفل بتذكر كل كلمة قيلت له، ونجد كثيرا من الأطفال من الممكن أن يتعاملوا مع “أصحاب الهمم” (المعاقين) بشكل طبيعي رغم الاختلاف، بينما يتعاملون مع أصحاب ذوي البشرة السوداء بتميز وعنصرية نتيجة للتنشئة التي بُنيت على الحقد والخوف من أصحاب البشرة السوداء، وذلك بسبب الأفكار المغلوطة التي تربوا عليها تجاه هذه الفئة، وأن أصحاب هذه الفئة ذوو سلوك سيء وسمعة سيئة لا يمكنهم أن يعيشوا مثل باقي الطبقات، أو أن يتعاملوا كما يتعاملون هم، ثم تصبح هذه الأفكار عادات وتقاليد تتوارثها الأجيال.

 

تؤكّد في حديثها لصوت المهمشين أننا بحاجة إلى جيل قادم لديه التسامح، ومتصالح مع الذات ليتمكّن من التعامل مع أي طفل من عمره وأي اختلاف بعيدا عن شكله أو لونه أو أصله وفصله وعرقه ودينه، بالإضافة إلى تربية أبنائنا على تقبل الآخرين رغم اختلافهم. ويجب أن نطبق عملية الدمج في المدارس، فهم أناس مثلنا، وأثبت كثير منهم جدارتهم وأصبحوا فئات فعّالة في المجتمع.

 

حماية الأطفال من العنصرية
أوضح الاختصاصي النفسي محمد إسماعيل أن ما تقوم به بعض الأسر لحماية أطفالهم من الاختلاط بفئات وأعراق أخرى، يُكسب الطفل قناعة مختلفة وتجعله يعيش في دائرة مغلقة، فذلك يجعل الطفل لا يتحدث إلا مع من يشبه لونا وثقافة وجنسا وعرقا، الأمر الذي يعطي ردة فعل عكسية، ومن جهة أخرى أكّد أن الأشخاص الذين يتعرضون للعنصرية يعانون من مشاكل صحية ونفسية مثل القلق والاكتئاب والوحدة وعدم قبول الخروج بين الناس.

 

ويؤكد في كلامه أن مواجهة العنصرية بين الأطفال مسؤولية مجتمعية وأسرية وتربوية في آن واحد، فيجب تعزيز فكرة التعايش رغم الاختلاف وتقبل الآخرين وزراعة قيم احترام الآخرين والتواصل معهم بالإضافة إلى تعزيز الوعي المجتمعي عند الكبار لينعكس بشكل إيجابي على الأطفال.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.