المُهمّش اليمني وهويته الشخصية.. علاقة معقدة

‏  6 دقائق للقراءة        1030    كلمة

تعرّفنا عليه في ساحة مبنى الأحوال المدنية بمدينة إب، رجلٌ أسمر البشرة يتحرّك بسرعة لاستكمال إجراءات الحصول على بطاقته الشخصية. طلب أن نأتي معه معرّفين؛ كي يثبت بأنه يمني الأصل والمنشأ. أتى هزاع حسن محمد (52 عامًا من محافظة إب) لاستخراج بطاقته الشخصية؛ كي يتمكن من التسجيل في المنظمات، والحصول على مساعداتها النقدية والإغاثية، وحسب قوله لصوت المهمشين إنه بعد عمرٍ من ضياع هويته وتلاشي ذاته، قرّر الحصول على هويته الشخصية ليشعر أخيرًا بحقه في المواطنة، وليتمكن من تعليم أطفاله، والسفر أينما أراد من دون أن يعترضه أحد.

 

استبدال لقب “الخادم”!

يحكي ردفان عبده مهيوب حشيف  (عضو لجنة قيادة الاتحاد الوطني لتنمية الفئات الأشد فقرًا في مديرية المعافِر غرب مدينة تعز) قائلًا: “ذهبتُ عام 2000 لاستخراج بطاقة شخصية في مركز الأحوال المدنية في المديرية وعندما صدرت البطاقة تفاجأت بأن بطاقتي مكتوب عليها (ردفان عبده مهيوب الخادم)”.

ويذكر أ. عبده مهيوب  أنه في مارس 2021 عاد لاستخراج بطاقة حديثة لزوجته، وقاما بتسليم الاستبيان ومبلغ 25 ألف ريال، وبعد سبعة أشهر ذهب إلى المختص في الأحوال المدنية في مركز نَجد قُسَيم، ليكتشف بأن البطاقة الحديثة لم تصدر، وبعد إلحاحه، قام المختصّ بتسليمه الاستبيان فقط من دون المبلغ، رغم أن الآخرين من غير المهمشين استلموا بطائقهم الحديثة بعد إعادة الاستبيانات وفق الاجراءات القانونية.

وأضاف أنه في بداية 2020 نزلت لجنة من مركز الأحوال المدنية بمديرية المعافر إلى مخيم النازحين في البِيرينِ (مخيم جبل زيد)، وأخذت مبلغ 13 ألف ريال من كل فرد بالغ، وكان هناك حينئذ 115 رب أسرة من النازحين المهمشين. كان المبلغ مقابل بطائق الهوية، لكن أصحاب اللجنة ذهبوا ولم يعودوا حتى كتابة التقرير، وفقًا لحديث حشيف.

 

عقبات

في استبيانٍ شفهي لصوت المهمشين أجريناه بين فئة عريضة منهم لمعرفة الأسباب وراء عزوفهم عن مكاتب الأحوال المدنية، وندرة التفكير بحيازة البطائق الشخصية، وجدنا أسبابا متعددة، منها أن عملية بحث المهمّشين عن مُعرِّفين بالغة الصعوبة؛ إذ معظم محيطهم من أهاليهم وأسرهم لا يمتلكون بطائق ولا يصلحون معرّفين، وفي الوقت نفسه يرفض معظم المواطنين التعريف بهم؛ إذ يشتبه كثير بأنهم أفارقة، ويُضاف إلى ذلك العزلة الاجتماعية للمهمشين؛ إذ يعيشون في قرىً من الصفيح والعشش، وبالتالي لا تربطهم أي علاقة مع عُقال الحارات أو الشخصيات الاجتماعية التي بإمكانها التعريف بهم لدى الأحوال المدنية.

وفي مخيم الكَدَحة جنوب غرب تعز الذي يضم عشرات الأسر المهمشة، أفادوا بأن شحّة الإمكانيات من أعظم العوائق؛ فقد وصلت تكلفة استخراج البطاقة الشخصية إلى 25 ألف ريال في بعض المحافظات. يُضاف إلى ذلك بُعد المسافات بين تجمعات سكن المهمّشين الواقعة في أطراف المدن أو القرى الريفية وبين مراكز الأحوال المدنية الواقعة في مراكز المديريات أو في قلب المدن الرئيسة.

 

حقّ مكفول للجميع

تنصّ المادة رقم (49) من قانون الأحوال المدنية على أنه يجب على كل شخص من مواطني الجمهورية اليمنية بلغ سن السادسة عشرة أن يحصل على بطاقة هوية من إدارة الأحوال المدنية والسجل المدني المقام في دائرته، فإذا أصبح المواطن رب أسرة، وجب عليه أن يقدّم بطاقته الشخصية إلى إدارة الأحوال المدنية والسجل في دائرته للحصول على بطاقة عائلية”.

ويشير الأستاذ علي مشرح  (موظف في الأحوال المدنية بمحافظة إب) إلى أن غياب الوعي بأهمية الحصول على البطاقة الشخصية، وضعف الإدراك لعلاقتها بالحقوق والحريات والمواطنة أحد الأسباب الرئيسة في عدم الاهتمام بالحصول عليها، وكذلك عدم ارتباط نسبة كبيرة من المواطنين بالمعاملات العقارية والتجارية، وغياب الملكية الخاصة للأغلبية، والفقر المدقع المحيط بهم، لا سيما أن هناك من لا يستطيع الحصول على لقمة العيش مع أن حق الحصول على الهوية الشخصية مكفولة لجميع أفراد المجتمع دون أي تمييز.

ويوكّد الملازم مفيد محمود هزاع (ضابط في الأحوال المدنية بمحافظة تعز) بأن هناك أشخاصا من فئة المهمشين يتقدّمون للحصول على بطائق شخصية، ويُمنحون إياها، وعدم حصول أغلبيتهم لها يعود إلى عدم اهتمامهم، علمًا أن كثيرا من المواطنين لا يأتون إلا عند الحاجة للبطاقة، ومنهم فئة المهمشين، ولم يتقدّم أيّ شخص من هذه الفئة للحصول على البطاقة ورُفض طلبه على الإطلاق، حسب الملازم هزاع.

 

ضرورة أو ترف

تقول سميرة الدبعي (32 عامًا من محافظة تعز): “أمتلك البطاقة الشخصية لأني أعمل موظفة رسمية في الداخلية، فطبيعة عملي تجعلني أمتلك البطاقة، وذلك لأستطيع الحصول على رواتبي ومستحقاتي المالية وإثبات هويتي ومكان سكني”. هذا ويصل عدد المهمشين -بحسب إحصائيات- إلى 3 مليون و300 ألف نسمة تقريبا، معظمهم لا يمتلكون البطاقة الشخصية إلا للضرورة كسميرة.

يقول مؤسس مشروع دعم الطالب الجامعي سالم المسيب : “عدم معرفة المهمشين بأهمية البطاقة الشخصية، وتفشي ظاهرة الرشوة والوساطة والمحسوبية لدى مكاتب الأحوال المدنية وارتفاع تكاليف قطع البطاقة، كل ذلك جعل معظم المهمشين عازفين عن امتلاك وثيقة الهوية الشخصية”. وقد حثّ المسيب جميع الناشطين والناشطات من أبناء المهمشين على التحرك وسط تجمعاتهم لتوعيتهم بأهمية البطاقة وتحفيزهم لامتلاكها.

 

حلول مقترحة

يؤكّد الدكتور همدان أمين (اختصاصي علم اجتماع في جامعة إب) بأن تحفيز المهمشين للحصول على بطائق الهوية لن يتأتى إلا بعمل برنامج توعوي لجميع تجمعاتهم بأهمية الحصول على البطاقة وعلاقتها بالحقوق الاقتصادية والمدنية والاجتماعية، وبالتنسيق مع مكاتب الأحوال المدنية والسجل المدني؛ لمنح البطاقة الشخصية للمهمشين برسوم الصندوق فقط.

ويضيف د. همدان بأنه يجب تسهيل جميع الإجراءات القانونية، وتخصيص مراكز إضافية من أجل تجمعات المهمشين البعيدة مع عدم تخصيصها لهم، بل جعلها لجميع فئات المجتمع، بالإضافة إلى التنسيق مع منظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية لتوفير تكاليف استصدار البطاقة الشخصية بوصفها جزءا من مهمتها الإنسانية وفق حملة منظمة يقوم بها الاتحاد الوطني لتنمية الفئات الأشد فقرا؛ إذ هو الممثل الشرعي للمهمشين في اليمن.

ويقول أيضًا: “من ضمن طرق التحفيز توظيف شباب من فئة المهمّشين في الأحوال المدنية والسجل المدني، وذلك لتسهيل الإجراءات القانونية وكسر الحواجز الاجتماعية الراسخة بالتمييز القائم على أساس اللون أو العرق”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.