كلمات قاتلة .. النساء المهمشات وتنمّر المجتمع

‏  5 دقائق للقراءة        945    كلمة

كانت معجبة بشكلها بعد ارتداء النقاب. خرجت لأول مرة منتقبةً مع أمها إلى أحد مطاعم مدينة إب حيث يعملن معا، وهناك يشير أحد النادلين إليها مناجيا زملاءه، فترتفع أصوات قهقهاتهم، وينخفض رأسها حزنًا، لتغادر العمل بلا عودة.

 

جميلة مُكْرِد شابّة مهمشة من محافظة إب، تبلغ 16 عامًا، لم تجد ما يعيبها في مقابل الفتيات غير المهمشات، لكنها واجهت تنمّرا من بعض أفراد المجتمع بمجرد أن قررت ارتداء النقاب.

 

تقول جميلة لـصوت المهمشين: “سمعتُ أحدهم يقول لي عبارات جارحة مثل: ماذا تخبئين يا سوداء؟! النقاب للجميلات”. وتضيف أنها تواجه كل يوم تقريبًا مواقف شبيهة تقلّل من إنسانيتها، وتسخر من لون بشرتها أو هندامها، لكنها تحاول جاهدةً تجاوزها، ونسيانها بقلبٍ سموح، ولا تستسلم.

“زميلاتي يعتبرنني نجسة بسبب لون بشرتي”

تحكي رؤى محمد (طالبة ثانوية من تعز) عما واجهته من تنمّر زميلاتها في المدرسة؛ إذ تبتعد عنها معظم الفتيات خوفًا من أن تعديهنّ بأي مرضٍ. تقول رؤى: “أحاول أن أتفهّم وجهة نظر الآخرين، لكنني رغم أناقتي ونظافتي لم أحظَ بصديقات دائمات، بل إنهن يتهربن مني، ويعتبرنني إنسانةً نجسة، لا لشيء سوى لون بشرتي التي تعاملها معظم زميلاتي كأنها وسخ”.

 

وتزيد رؤى أنها قد شكت ما تتعرض له للاختصاصية الاجتماعية في المدرسة، وقد نظمت بدورها حملة توعية في قيم المساواة والعدالة والتعامل الإنساني، لكن ذلك لم يجدِ، على حدّ قول رؤى.

 

تشير الاختصاصية الاجتماعية (طلبت عدم ذكر اسمها) إلى صعوبة تغيير الفكر المتجذر في عقليات الطالبات، لكنها تبذل جهدها في تنمية ثقة رؤى وبقية المهمشات بأنفسهن، وتساعدهن دومًا على إثبات ذواتهن، كما أنها تقوم باستدعاء ولي أمر كل طالبة تمارس التنمّر على زميلةٍ لها، وتتخذ عقوبات إدارية بعد إنذار الطالبة.

“لا أعير السود”
تعتاد النساء في اليمن وفي مديرية يافع بمحافظة لحج استعارة الحلي أو الفساتين في المناسبات والأفراح، وقد حاولت أم لؤي (مهمشة من لحج-38 عاما) أن تستعير بعض حلي جارتها من غير فئتها الاجتماعية لتتزين بها في خطبة ابنها الوحيد، فرفضت جارتها بحجة أنها لا تعير المهمشين، وتخشى أن ينتقل إليها مرضٌ ما.

 

تحكي أم لؤي أن جارتها قالتها بصريح العبارة، ولم تراعِ فرحتها بخطبة ابنها: “لا أعير السود. ما الذي يضمن لي أن لا ينتقل إليّ سوادك أو مرضٌ ما؟!”. تعلّق أم لؤي: “جرحتني كثيرًا، وكان أملي بها كبيرا، بعد أن رأيت بعينيّ جاراتي يتعاونّ ويعير بعضهن بعضا”، وتضيف أن هذه النظرة سائدة بين كثير من الناس؛ إذ ترفض معظم النساء من غير المهمشات أن يأكلن من يدها أو معها، وأن الأمهات يعاقبن أبناءهن إذا تناولوا أي أطعمة من يدها.

“فطساء مثل ولاء”
ذهبت ولاء رشدي (مهمشة من ذمار- 24 عاما) لتبارك لجارتها بمولودتها الجديدة، وفي الجلسة تلك طلبت إحدى الحاضرات أن ترى الطفلة الوليدة، وحين رأتها ضحكت بصوتٍ عالٍ وقالت: “فطساء، ومشنفرة (غليظة الشفتين) مثل ولاء”. تعلّق ولاء: “كان موقفًا محرجًا للغاية بالنسبة لي، وحين ضحكت الحاضرات، ضحكتُ مثلهنّ، وابتلعتها غصّةً في حلقي”. وتضيف أنه ليس الموقف الأول ولا الأخير، وأنها قد تعرضت لمواقف شبيهة اتخذت شكلها مثارًا للسخرية أو التندّر صراحة أو ضمنا، وتزيد بقولها: “على الرغم من أن زوجي يراني جميلة، وأحظى بمعاملة زوجية تجعلني أكثر سعادة منهن، أريد أن أذكرهن بقول الله: صبغة الله، ومن أحسن من الله صبغة”.

كيف تزوّجت؟!
في حفل زفاف أميرة أمين (مهمشة من محافظة حجة شمال اليمن، 20 عاما) بشابٍ أسمر ومتعلم ومغترب في المملكة العربية السعودية، لحظت والدة العروس تهامسا بين نساء من الحاضرات من غير المهمشين في الحفل، ويذكرن أنهنّ لم يحضرن ليشاركن أميرة، لكن أتين ليرين جمالها ويعرفن شكل زوجها. وتضيف أنها سمعت إحدى الحاضرات تندب حظها ساخرة قائلةً لصديقاتها: “اصطادت عريسًا وسيما، رغم أنني أجمل منها، أريد أن أسألها: كيف فعلت؟”.

 

كانت أميرة في حفل زفافها جميلةً لدرجة أن جمالها كان حديث معظم الحاضرات، واستغربت أميرة من ثلاث شابات من الحاضرات لم يباركن زواجها بكلمة واحدة كما هو المعتاد، وشعرت أنهن أتين للتندر على لون بشرتها، وحظها بشريك حياتها.

 

تقول أميرة: “أتت إليّ تسألني عن الوصفة المناسبة لإيقاع شريك الحياة من دون أن يلحظ دمامتي أو نسبي أو قبيلتي. جاوبتها أن هذه أقدار الله”، وتضيف أنهن استكثرن عليها أن تستقر في منزل الزوجية، وأن تحظى بزوجٍ محبّ، وذلك لأنها ببساطة فتاة مهمشة.

غياب دور المنظمات في محاربة التنمّر
تؤكد الناشطة الحقوقية صباح فرحان أنه ظهرت منظمات مجتمع مدني كثيرة تنادي بقيم المساواة والعدالة وإذابة الفروق بين الطبقات، لكن لم يسبق أن لحظت لها أية أنشطة تعالج ظاهرة التنمر اللفظي والمعنوي التي تتعرض له المرأة المهمشة وآثاره النفسية، بل يركز معظمها على المساعدات الإغاثية التي تشبع المعدة، والروحُ في خواء.

 

وتقول الاختصاصية في علم النفس بسمة صادق: “إن لمثل هذه السلوكيات والألفاظ آثارا نفسية وخيمة على المرأة المهمشة، وهي تقلّل من اعتزازها بذاتها وتخفض من سقف نظرتها العالية لنفسها، وهذا يزيد من الفجوة الطبقية بين فئة المهمشين وغيرها من فئات المجتمع”. وتنصح بسمة بمراعاة مشاعر الآخرين، لا سيما النساء المهمشات كونهن أكثر حساسية، كما تحضّ بسمة على التعامل الإنساني البنّاء بين جميع أفراد المجتمع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.