أجيال “المهمَّشين” تعليم مفقود وعدالة غائبة مميز

عارف الواقدي

‏  7 دقائق للقراءة        1385    كلمة

على أمل أنْ يحظى بمثل ما يحظى به الأطفال من تعليم يجعل منه أحدَ أعمدةِ المستقبل، أراد أحمد (13 عامًا)، ذو البشرة السَّمراء “فئة المهمَّشين”، الالتحاق بالتعليم في مدرسة حكومية بإحدى المحافظات اليمنية، غير أنَّ عنصرية المجتمع وظلمه تجاه هذه الفئة وقفت حائطَ صدٍ، حرمته تحقيق حلمه.

يقول أحمد: “أنا لم أختَر لون بشرتي، ولا فئة الشريحة التي ولدتُ فيها، فلماذا كل هذا الظلم الذي أتعرض له؟ لماذا لا أستطيع أن أحلم وأحقق حلمي مثل باقي جميع الأطفال، في الحصول على حقي في التعليم الذي كفله لي القانون، أو أن ذلك التهميش أصبح مرتبطًا بنا نحن المهمَّشين؟”.

يضيف أحمد، الطفل الذي رُفض من العديد من المدارس الحكومية التي أراد الالتحاق بها للتعليم: “بعد رفضي من المدرسة، بسبب كوني “خادمًا” (لفظ عنصري في اليمن يُطلقه ذو البشرة البيضاء على فئة المهمَّشين) لم يكن أمامي إلا الشارع أذهب إليه للعمل (التسوُّل)” وهي المهنة التي تُدرُّ عليهم دخل المعيشة اليومية، بسبب العنصرية المجتمعية التي تحرمهم من العمل في كل الوظائف، حكومية كانت أم خاصة.

“أيلول” نموذجا آخر من التهميش
لا يختلف حال أيلول (12 عامًا) عن حال أحمد، فهي لا تدرس، ولم تذهب يومًا إلى المدرسة، أو ربما فكَّرت في التعليم، حد قولها، لافتةً إلى أنَّ المرات التي ذهبت فيها إلى المدرسة كانت إلى بواباتها ومن أجل العمل في مهنة التسوُّل، وتحت غطاء “بيع البيض” والذي من خلاله تساعد أسرتها في تدبير جزءٍ من متطلبات معيشتها اليومية.

في كل مكان “في الشارع، أمام المدارس، وفي الأسواق”، وفي كل وقت “صباحًا، ظهرًا، ومساءً” تتواجد أيلول، إلى جانب صديقات لها من الفئة السمراء، يبحثنَ هنالك عمّن يعطيهنّ بعض النقود، أو الطعام ليعدنَ به إلى أسرهنّ، أو شراء ما يحتجنَ له من طعام.

وتذكر أيلول وصديقاتها في حديث لـ”الاشتراكي نت”، أنّ الدراسة بالنسبة لهم (أطفال المهمَّشين) أمر هامشي لا يعنيهم، فكل المعوقات المحتملة تقف أمامهم في تخطي هذا الحاجز، أولاً لكونهم – بحسب قولها – “أخدام”، وكذلك لعدم امتلاكهم بطائق شهادات الميلاد التي تعد وثيقة مهمَّة للتقديم في المدرسة، بالإضافة إلى نظرة دونية تجاههم، من قِبَل المجتمع الذي يرفض انخراطهم بجانب أطفالهم.

رغبة واستسلام
وفيما “أحمد” ما يزال يحلم في أن يحظى بفرصة تعليم تساعده في تحقيق حلمه، رغم أنَّ ذلك -بحسب ما يقول- أشبه بالمستحيل في ظل المعوقات التي تواجهه.. تشير “أيلول” في إجابتها عن سؤال، ماذا لو جاءت إليك الفرصة للدراسة؟: “لا يهمني ذلك، فما هي الفائدة من الحصول على الدراسة، في حين إذا ساعدتنا الظروف وواصلنا حتى التعليم العالي وحصلنا على الشهادة الجامعية، فلن يأتينا، في تخصصاتنا أحد، والسبب كوننا “مهمَّشين” وهنا هاهي النظرة الدونية، أو العنصرية المجتمعية، تلاحقنا”.

معوقات وعنصريَّة مجتمعية
تقول الأستاذة “ح. ع” التربوية في إحدى المدارس في محافظة مأرب، إنَّ رفض المدارس قبول تسجيل أطفال المهمَّشين للدراسة، يعود أولاً إلى “عدم امتلاك معظمهم بطائق شهادة ميلاد التي تعتبر وثيقة أساسية بالمدارس لقبول التسجيل فيها”، بالإضافة إلى أنَّ قبولهم بالمدارس قد “تسبب في مشاكل مع الآباء الذين يرفضون السماح لأطفالهم بالدراسة واللعب مع أطفال المهمشين”، وذلك بأنَّ “أهالي الأطفال يرجعون السبب إلى عدم رغبتهم في أن يكسب أطفالهم عادات يصفونها بـ”السيئة” متولِّدة لدى الأطفال المهمَّشين”.

وبالحديث معها حول إيجاد آليات تعامل مع الأهالي والتوضيح لهم بأنه لن يحدث ما يفكرون به، قالت إنهم في المدارس: “لا يريدون التعرُّض للمشاكل مع الأهالي”، كما أنه – بحسب قولها: “من الصعب إقناع هؤلاء الآباء بالسَّماح لأطفالهم بمعاملة أقرانهم المهمَّشين على قدم المساواة”.

أميَّة تقترب من 100%
وتكشف دراسة مَسحيّة لمجتمع المهمَّشين باليمن، أعدَّتها “اليونيسف” شملت أكثر من (9 آلاف) أسرة من المهمَّشين في اليمن عن انخفاض مستويات الإلمام بالقراءة والكتابة والالتحاق بالمدارس لدى الأطفال المهمَّشين إلى 20%.

وتشير الدراسة المسْحيّة التي أُجريت على 9،200 أسرة (51،406 أشخاص) إلى أن واحدًا فقط من كل خمسة من فئة المهمَّشين ممن بلغت أعمارهم 15 عامًا فأكثر، هم من يستطيعون القراءة أو الكتابة، حيث لا يُسجّل في مدرسة واحدة سوى طفلين من كل أربعة أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أعوام و17 عامًا.

وتؤكد “اليونيسف”، وهي إحدى منظمات الأمم المتحدة الخاصة بالطفولة، أنَّ نسبة الأميّة في صفوف المهمَّشين، في اليمن وصلت إلى 90%، نتيجة تسرُّبهم من المدارس، إما بسبب المضايقات أو التنمُّر من قِبَل بعض المعلمين والطلاب، مشيرةً إلى أنَّ 9% فقط من المهمَّشين يسجلون أطفالهم عند الولادة، ما يجعل نقص شهادات الميلاد عقبةً أمام الالتحاق بالمدارس.

ويعيش مئات الآلاف من فئة المهمَّشين في اليمن، والذين تقدر إحصاءات عددهم بين 2 إلى 3 ملايين مهمّش، حياة يومية تعتمد في معيشتها على أعمال التسوُّل (نحو 80%) وفي “النظافة” فرصة العمل الوحيدة التي يحظون بها، ما يقل عن (3%) جراء عنصرية المجتمع الذي يرفض حصولهم على حقهم في التعليم، والوظيفة الحكومية، أو حتى نيل فرص العمل في القطاع الخاص.

مهمَّشو اليمن.. ظلم لا متناهٍ

والطفل “أحمد” هو أحد الأطفال ضمن هذه الشريحة التي تعيش ظلمًا لا متناهيَ باليمن، والذي وصل إلى حد حرمانه من التعليم في إحدى المدارس الحكومية من قِبَل الإدارة التي علَّلت سبب رفض قبوله في المدرسة بـ”عدم رغبة الأهالي في أن يكون الأطفال من ذوي البشرة السمراء “المهمَّشين” إلى جانب أطفالهم بالمدارس كافة”.

وصمة التَّمييز

نعمان الحذيفي، رئيس الاتحاد الوطني للمهمَّشين باليمن، يرجع في تصريح خاص لـ”الاشتراكي نت” أسباب رفض أطفال المهمَّشين في أغلب المدارس، وكذا التعامل غير العادل والإنساني معهم، لعدة أسباب، منها سببان رئيسيان، هما: “ما هو متعلق بالفقر” وكذلك “ما يتعلق بالموروث الاجتماعي والنظرة الاجتماعية تجاه السود في المجتمع”.

وفيما لفت الحذيفي إلى أنَّ القوانين اليمنية المتعلقة بضمان الحق في التعليم، قد كفلت للجميع هذا الحق، بمن فيهم الأطفال المهمَّشون، يؤكد أنَّ أطفالهم “يواجهون عند التحاقهم بالمدارس عقبة الموروث السائد تجاههم، والمتمثل بوصمة “التمييز”، حيث يتعرَّضون للمضايقات والعنصرية من قِبَل أقرانهم التلاميذ، وكذا من قِبَل كثير من التربويين الذين، بكل أسف، يتعاملون مع أطفالنا بنوع من الازدراء، ما يدفع بكثير من الأطفال إلى ترك التعليم في مراحل مبكّرة”.

ويصف الحذيفي: “من استطاع من أطفالهم إكمال تعليمه الثانوي، وربما الجامعي، بمثابة المجاهد، كونه استطاع أن يتجاوز موروثًا ثقافيًا قائمًا على فعل عنصري، نناضل من أجل استئصاله من المجتمع اليمني جميعًا تجاه هذه الفئة التي تشكل ما نسبته 12% من إجمالي سكان المجتمع”.

مخرجات دستوريَّة لم تُطبَّق

وكان الحوار الوطني الشامل، الذي شارك فيه “المهمَّشون” بممثل وحيد، خلال العام 201 3م تضمنت مخرجاته عددًا من التوصيات لتعزيز وضع واندماج المهمَّشين بالمجتمع، موصيًا – المؤتمر – بضرورة سن التشريعات اللازمة لضمان الإدماج الكلي للمهمّشين، وتمتعهم بجميع حقوقهم تبعًا للدستور اليمني، إلا أنَّ ذلك – وفق مصادر حقوقية – لم يتحقق شيء منه.

مؤتمر الحوار الوطني، والذي ضم 565 عضوًا، نادى بشكل محدَّد لتشريع يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية للمهمَّشين والفرص المتكافئة، ولتوفير دعم معنوي، ومالي ولوجستي، لتمكينهم من المشاركة في عملية التنمية.

معاناةٌ أبديةٌ

ولم تعانِ فئة مجتمعية يمنية قدر ما يعانيه “المهمَّشون” وهم أدنى طبقة اجتماعية يمنية، من حيث المكانة، وقد واجهت قرونًا من التمييز والاستغلال والفقر، وصولاً إلى حرمانهم من حقوقهم بمختلف مجالاتها، حيث وقد باتوا مع ذلك ينشدون العدل والإنصاف للتعامل معهم كـ”بشر يستحقون الحياة”.

 

احدى المواد المقدمة لمسابقة “صوت المهمشين” – الاشتراكي نت
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.