فارس الشعبي.. يصارع مرض التهاب الكبد وحيدًا

‏  7 دقائق للقراءة        1258    كلمة

“أنا مصاب بمرض تشمّع الكبد، وأصارعُ المرض بمفردي منذ سنوات. لا أحد يلتفت لحالتي. أشعر بالغُصة والألم والوحدة في هذا العالم البائس”، بهذا الكلمات يختصر فارس الشعبي، من مهمشي منطقة الضَّبُوعة في محافظة تعز، معاناته.

أُصيب فارس بمرض تشمّع الكبد المزمن منذ سبع سنوات، أي وقت اندلاع الحرب في اليمن، وتسبب له المرض بمضاعفات كبيرة وآلام لا تتوقف. يتابع فارس حديثه لصوت المهمشين: “آلام شديدة لا تفارقني بسبب المرض، وأصبحت أعيش على إبرة (حقنة)، وإذا توقّفت عنها سيزداد الألم والمرض، وقد أموت”.

توقّفت وظائف الكبد لدى فارس بشكل كلّي؛ إذ أصبح يعيش على حقنة علاج “ألبومين” التي تعمل على تدفق الدم وإخراج السوائل، غير أن علاج فارس لن يكون إلا بإجراء عملية خارج البلاد لزراعة كبد جديدة، كما أخبره الطبيب.

صعوبة توفير العلاج

يُعرف مرض تشمّع الكبد المزمن الذي يعانيه فارس بـ”التليف الكبدي”، وهو مرض يصيب نسيج الكبد ويؤدّي إلى توقف وظائفه تمامًا، ويمنع تدفق الدم إلى أعضاء الجسم عبر الكبد. ويتسبب التشمع بتشويه البنية الداخلية للكبد بشكل كبير، إضافةً إلى ظهور ندبات تسبب في عجز الكبد عن القيام بوظائفه الطبيعية وتدفق الدم بشكل سليم.

يقول الأطباء إن الإنسان يُصاب بمرض الكبد في الغالب نتيجة زيادة شرب الكحول، أو زيادة الدهون في جسم الإنسان، أو الإصابة بالتهاب الكبد الفيروسي الوبائي CB، وهو الأمر الحاصل مع فارس. يقول فارس إن الأطباء أخبروه أن كبده أصيب بالتهاب شديد تسبّب في تشمع الأنسجة، وبالتالي فقدَ الكبد قدرته على القيام بوظائفه الطبيعية.

عند مقابلتنا لفارس، لحظنا انتفاخ بطنه بشكل كبير للغاية، وكان ذلك بسبب عدم خروج سوائل الجسم التي تكونت بداية مرضه، نظرًا لتوقف وظائف الكبد لديه، ويحتاج إلى تركيب قسطرة لسحب تلك السوائل، لكنه لم يستطع فعلها.

“قال لي الطبيب: أجرِ قسطرة من أجل إخراج السوائل من الجسم، لكني غير قادر على ذلك بسبب ظروفي المادية. إنني أعاني كثيرًا من شراء العلاج، فكيف بفعل قسطرة وعملية؟!”، يضيف فارس. ويتابع فارس أن الطبيب كتبَ له حقنة ألبومين كل أسبوع لكي تساعده على إخراج السوائل في جسمه أيضًا، لكنه لا يستطيع توفيرها كل أسبوع.

يشتري فارس العلاج كل ثلاثة أسابيع أو كل شهر على الرغم من أن الطبيب أخبره أن عليه أن يستخدمها أسبوعيًا، لكنه لا يقدر على شراء تلك الحقنة التي يبلغ سعر الواحدة منها نحو 23 دولارًا أمريكًا. يحتاج فارس إلى أربع من تلك الحقن شهريًا، بحسب وصفة الطبيب، وإجمالي سعرها كاملة يقارب 90 دولارًا، وهو مبلغ كبير للغاية بالنسبة لفارس، ويستحيل الحصول عليه بشكلٍ شهري.

مقاومة المرض

يصارع فارس المرض، ويعول أسرته المكونة من 7 أفراد في الوقت نفسه، وهو الأمر الذي يرهقه كثيرًا، ويسبب له المتاعب والأرق في ظل استمرار تدهور صحته، وعلى الرغم من مرضه ومعاناته، يعمل فارس سائقًا لدراجةٍ نارية يملكها، يوصّل بها الناس، لكن العائد الذي يحققه لا يوفر له قيمة حقنة واحدة من العلاج على مدار الأسبوع.

ويقول في حديثه لصوت المهمشين: “أخرج للعمل وأنا مريض وأعاني من آلام شديدة، ووضعي لا يسمح لي بالعمل، لكنني مجبر على ذلك، ولا خيار آخر لدي، ولن يوفر أحد لأسرتي الغذاء ولي الدواء”، ويضيف: “أعملُ على جمع قيمة حقنة واحدة من العلاج كل ثلاثة أسابيع، وأحيانًا أضطر للاقتراض من زملائي وجيراني، وأنا أخجل من ذلك، لكنني مجبر؛ لأنني قد أموت إن توقفت لفترة طويلة عن استخدام العلاج”.

لا أحد يمدّ يد المساعدة طوعًا لفارس ويعينه على شراء العلاج، وعندما يتصبّب عرقًا من شدة الآلام ولا يمتلك المال يذهب لاقتراضه، وبذلك يوفر علاج اليوم وينجو من الموت، لكن الغد ينتظر منه المزيد.

توفير العلاج أصبح همًا يؤرق فارس، ويظل يفكر ويبحث ويسعى فقط لتوفيره، ليخفف عن جسده الآلام، ولم يعد يفكر بالتخلص من المرض، خصوصًا أن الطبيب صارحه بأنه يحتاج إلى زراعة كبد، وزراعة الكبد ستكون بعملية يجريها خارج البلاد وبالسفر ودفع رسوم باهظة، وذلك الأمر لن يتحقق إلا بكثير من الأموال التي لا يمتلكها، ومنذ سبع سنوات لم يبادر أحد لمساعدته وهو يتألم.

العمل بدلاً من التعليم

يعيش فارس مع أسرته في منزل مبني من الصفيح، وهو أشبه بالكوخ بأحد تجمّعات المهمشين في منطقة الضَّبُوعة وسط مدينة تعز، وله زوجة وخمسة بنات وولد واحد. قبل مرضه، كان الابن الوحيد لفارس ملتحقًا بالمدرسة، لكنه بعد المرض أُجبر على مغادرتها؛ إذ رأى فارس أنه من الصعب أن يتمكن من إعالة الأسرة وتوفير الأدوية وعلاج المرض بعمله وحده، بل استدعت الضرورة أن يعمل ابنه وهو طفل ليساعده في توفير مصاريف العيش وتوفير العلاج. “توقف ابني عن التعليم والذهاب للمدرسة، وجعلتُه يعمل في غسل السيارات ليساعدني. أُجبرت على فعل ذلك؛ لأنني لم أجد خيارًا آخر أمامي”، يقول فارس.

ويشير فارس إلى أن ابنه أصبح يساعده في مصاريف المنزل من غسل السيارات، وبالكاد يجمع مبلغًا لا بأس به، ويعدّه مهمًا بالنسبة له، حتى إن وفّر وجبة غداء واحدة للأسرة، فمع اشتداد مرض فارس وانتفاخ بطنه بشكل كبير، تراجع عن عمله في الدراجة النارية، ومعظم الأيام أصبح يجلس في البيت، لكن الأوضاع المادية وهمّ العلاج تجبره على العمل.

تقول رئيسة مؤسسة كفاية الاجتماعية مسك المَقْرَمي: “إن فارس الذي يسكن بالقرب من منزلها يعاني كثيرًا من المرض، وهو بحاجة ماسة إلى المساعدة”، وتضيف في حديثها لصوت المهمشين: “فارس يعول أسرة كاملة، ويصارع المرض في الوقت نفسه، وحالته المادية مزرية للغاية، ومن الصعب أن يتحمّل كل ذلك، خصوصًا أنه لا يمتلك عملاً جيدًا يساعده على تحمل الأعباء والتكاليف”.

وتشير المَقرَمي إلى أن فارسا يحتاج إلى إجراء عملية زراعة كبد ومنحة علاجية إلى خارج البلاد، وإلا فقد يزداد وضعه سوءًا، لافتةً إلى أن حالته حرجة للغاية، وأن المهمشين لا يلتفت أحد إلى معاناتهم وأوجاعهم. وتؤكد المقرمي أن المرضى المهمّشين بحاجة ماسة إلى أن تلتفت الحكومة إلى أوضاعهم الصحية وحالتهم المرضية، وأن تقدم لهم المنح العلاجية أسوة باليمنيين المتضررين من الحرب وتسهيل معاملات سفرهم كحالة الشعبي وكثير من أبناء الفئة.

وتلفت المقرمي إلى أن مجتمع المهمشين تضرّر كثيرًا من الحرب الدائرة، وكان لأفراد الفئة النصيب الأكبر من تداعيات الحرب، عوضًا عن التهمشين والتمييز والإهمال الذي يتعرضون له منذ زمنٍ بعيد.

تفشي التهاب الكبد

مع استمرار الحرب في البلاد، انتشرت كثير من الأمراض خصوصًا المعدية والوبائية في ظل عجز السلطات الصحية في عدن وصنعاء على مواجهتها والسيطرة عليها أو الحد من تفشيها. وبحسب بيان لوزارة صحة حكومة صنعاء نُشر نهاية ديسمبر من العام الفائت، وصلت عدد حالات الإصابة والوفاة جراء التهاب الكبد الوبائي “بي وسي” الذي كان فارس ضحيته، إلى نحو 20 ألف و248 حالة إصابة، توفى منها حالتان، والتهاب الكبد “ألف وإي” إلى نحو 14 ألف حالة إصابة و39 حالة وفاة.

تلك الإحصاءات سُجّلت فقط في مناطق سيطرة حكومة صنعاء شمال اليمن، فيما هناك حالات أيضًا في مناطق سيطرة حكومة عدن جنوب اليمن، والأرقام تتصاعد بشكل مخيف. ودعت وزارة الصحة في بيانها، المنظمات الدولية العاملة في القطاع الصحي للقيام بمسؤولياتها والاستمرار في دعم النظام الصحي والتركيز على تعزيز التأهب للأوبئة كأولوية في الوضع الحالي.

وأشارت الوزارة إلى العوامل التي تسبّبت في تردّي الوضع الوبائي بالبلاد، كان أهمها النزوح وانتشار الأمراض الجلدية والتنفسية وانعدام المياه والصرف الصحي وانهيار الوضع الصحي وتردّي الخدمات في مؤسسات الدولة بشكلٍ عام.

( أنتجت هذه المادة بدعم من منظمة “lnternews” ضمن مشروع “Rooted in trust” في اليمن)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.