عُمّال الصرف الصحي بين المخاطر ولقمة العيش

‏  8 دقائق للقراءة        1501    كلمة

يتعرّض العاملون في خدمات الصرف الصحي (المجاري) لمخاطر صحية كبيرة تهدّد حياتهم، فهم يُعدّون من أكثر الأشخاص المعرّضين لعدوى الأمراض والأوبئة بسبب ظروف وطبيعة مهنتهم الخطيرة.

وفي اليمن، خُصّصت تلك المهنة لفئة المهمشين، لأسباب تتعلق بالمكانة الاجتماعية، ويعدّ مراقبون هذا الوضع شكلا من أشكال التمييز العنصري، في حين أضحى أبناء هذه الفئة معرّضين لخطر الإصابة بالأمراض والأوبئة، لعدم اعتمادهم على وسائل ومستلزمات الحماية والوقاية.

المهنة الخطرة

الأربعيني أحمد ناجي يعمل منذ عقدين من الزمن في مهنة الصرف الصحي بمدينة تعز. يقوم بفتح وتنظيف غُرف التفتيش المرتبطة بشبكة الصرف الصحي العامة وفتح البيارات وشفطها، إضافةً إلى تركيب أنابيب المجاري وفتح الانسدادات.

يقول ناجي إن المهنة التي يعمل بها خطيرة للغاية ومتعبة، وفي غالب الأحيان يتعرض لمخاطر تتعلق بطبيعة الأعمال والأشغال الصعبة التي يقوم بها، وأخرى تتعلق بالجانب الصحي وإصابته بالأمراض والحمّيات. ويضيف لصوت المهمشين: “عملنا خطير وليس سهلا، ويسبّب لنا الأمراض دائما، وحاليًا أنا مريض وعندي تضخم في عضلات القلب وعندي الضغط، وأُصاب بحّميات أحيانًا؛ لأنّ شغلنا في تنظيف القاذورات والمخلفات”. ويتابع ناجي: “قبل فترة أُصبت بوباء حُمى الضنك، وانتقلت إليّ عدوى الوباء أثناء عملي في المجاري بكل تأكيد، وسبّب لي المرض مضاعفات صحية، وأهلكني وأتعبتني، وكنتُ أشتغل وأنا مريض”.

يدرك ناجي خطورة المهنة التي يعمل بها، لكنه يذكر أن لا سبيل آخر أمامه، وبأنه قد اعتاد على هذا العمل منذ أن كان عمره 18 عامًا، وإن تركه فقد لا يجد عملًا آخر يوفر به قوت يومه ومصاريف أسرته.

ويشير ناجي إلى أنه لا يمتلك مهنة أو حرفة أخرى يمكنه الاعتماد عليها، ولا يمكنه ترك العمل في المجاري والصرف الصحي، معتبرًا أن هذه الأعمال خُصصت للمهمشين وهو مجبر على امتهانها. وبحسب ناجي، هناك كثير من أبناء تجمّع المهمشين الذي يعيش فيه بمنطقة كِلابة شرقي تعز يعملون في المجاري والصرف الصحي، ومنهم شقيقه عبد الله الذي يعمل في المهنة نفسها ويتعرض للمخاطر نفسها.

ضحايا مهمشون

تختلف خطورة الأعمال التي يقوم بها المهمشون مِن وضع إلى آخر؛ إذ هناك مَن يعمل على فتح غرف التفتيش أو البيارات وفتح وصيانة الأنابيب أثناء تعرضها للانسداد مثل ناجي، وهناك أيضًا من يعمل على النزول إلى بيارات المجاري الكبيرة والمركزية للمدينة، وهي الأكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة أو الوفاة بسبب احتباس الغازات أو السقوط المفاجئ.

وفي هذا السياق، يقول رئيس منظمة نهضة شباب لتنمية المهمشين، أكرم الشرعبي: “إن المهمشين الذين يعملون في الصرف الصحي والمجاري معرضون لمخاطر كبيرة تهدد حياتهم وصحتهم”، ويشير إلى أن هناك كثيرا منهم سقطوا ضحايا. ويضيف الشرعبي في حديثه لصوت المهمشين أن كثيرا من المهمشين يسقطون ضحايا أثناء عملهم في بيارات المجاري المركزية، وقبل نحو عامين توفى خمسة مهمشين على إثر سقوطهم في إحدى البيارات بمنطقة الحَصِب بتعز.

ويشير الشرعبي إلى أن المواد الكيميائية والغازات السامة التي تختلط بالهواء داخل المجاري تسبب الإغماء لدى العامل أثناء وجوده بداخلها بغرض التنظيف، وبالتالي يسقط العامل وقد يسقط العمال الآخرون معه أثناء محاولة انتشاله. ويؤكد الشرعبي أن حوادث سقوط المهمشين العاملين في المجاري تكرّرت في مدينة تعز قبل الحرب وأثنائها، لافتًا إلى أنهم بحاجة إلى معدات وأجهزة وأدوات خاصة، وهو ما يفتقده ناجي لكي يضمن سلامة عمله كما أشار في حديثه.

انعدام أدوات الحماية

يمارس المهمشون العمل في الصرف الصحي والمجاري من دون أي أدوات حماية أو مستلزمات تقيهم من الإصابة بالأمراض والأوبئة وتجنّبهم خطر الموت، ويبدو هذا حال معظمهم إن لم يكُن الجميع.

يقول ناجي إنه لا يمتلك بتاتًا أي أدوات أو مستلزمات حماية طبية وصحية، وغالبًا ما يمارس عمله دونما ارتداء “قفازات طبية” أو “كمامات” كأقل شيء ممكن. “هكذا نشتغل بالعافية والمغامرة. ما عندي أي أدوات حماية أو وقاية أبدًا، ولا أستخدم شيء حين اشتغل، لأني مش قادر أوفرها وأشتريها، الأجر اللي أحصله من العمل ما يوفرش هذه الحاجات خالص”، يضيف ناجي.

يحكي ناجي أنه لا يمتلك أي أدوات حماية ولا يستطيع توفيرها وشراءها، لأن الأجر الزهيد الذي يتلقاه مقابل عمله يكاد لا يوفر له مصاريف المعيشة، خصوصا أن لديه أسرة كبيرة من عشرة أبناء.

هذا هو حال المهمشين العاملين في الصرف الصحي والمجاري، فقد باتوا يعملون في أكثر الأماكن الناقلة للأمراض والأوبئة، وتعتمد نجاتهم منها على أدوات الحماية والسلامة، إضافةً إلى النظافة الشخصية التي يقول ناجي إنه يلتزم بها، ويهملها بقية المهمشين، ووضعهم أصعب وأسوأ من وضعه.

تذكر منظمة الصحة العالمية في بيان لها على موقعها الرسمي نُشر مطلع يناير عام 2020 أن عمال الصرف الصحي والمجاري يجب عليهم ارتداء معدات الوقاية الشخصية المناسبة، بما في ذلك قفازات الخدمة الشاقة، والنظارات الواقية، وواقي الوجه أو أقنعة الوجه، والأحذية المطاطية، وأغطية الملابس المقاومة للماء. وتؤكد الصحة العالمية على ضرورة إزالة ملابس العمل ومعدات الوقاية الشخصية بعناية وإزالة التلوث منها بعد الاستخدام فورًا أو تخزينها في كيس بلاستيكي قابل للإغلاق حتى يزال التلوث.

كورونا وضع خاص

أثناء انتشار جائحة كوفيد_19 في موجته الأولى والثانية قبل عامين، لم يتغير حال ناجي وبقية عمال الصرف الصحي المهمشين، فلم يحصلوا على أدوات الحماية ولم يتلقوا اللقاحات، بحسب حديث ناجي. هكذا بدت الأحوال لدى المهمشين في حين أن الصحة العالمية تنظر إلى طبيعة عملهم في هذه الأوضاع في ظلّ تفشي كورونا حالةً خاصة تستدعي مزيدًا من إجراءات واحترازات السلامة.

وأثناء وباء كوفيد_19، أوصت منظمة الصحة في تقاريرها بتزويد عمال الصرف الصحي والمجاري بقناع التنفس “N95” ومعدات حماية متطورة، إضافةً إلى توفير الفحوصات والرعاية الصحية ووضع جدول لتلقي اللقاحات المناسبة.

وفي أثناء الجائحة، قالت المنظمة إنه يجب على عمال الصرف الصحي غسل أيديهم أيضًا بعد التفاعل مع العملاء أو الناس، وعند دخول المباني أو مغادرتها، وبعد الاتصال بالأسطح كثيرة اللمس.

ولفتت الصحة العالمية إلى ضرورة بقاء العمال في المنزل وعدم الذهاب للعمل إذا كانوا مرضى، أو لديهم أعراض كوفيد_19، أو لديهم فرد من العائلة في الأسرة نفسها يعاني من أعراض الفيروس.

أمراض وأوبئة

تنتشر كثير من الأمراض الوبائية في مياه الصرف الصحي، ولذلك يتعرض العمال في هذا المجال لخطورة الإصابة بها ونقل عدواها، مثل الضنك والملاريا والإسهالات المائية الكوليرا والدوسنتاريا والتيفوئيد والديدان المعوية وشلل الأطفال.

وبحسب بيان مشترك لمنظمة الصحة العالمية ومنظمة العمل الدولية والبنك الدولي الذي نُشر قبل نهاية نوفمبر عام 2019، يؤدّي التعرض للغازات السامة التي تتكوَّن في المجاري ومواسير الصرف الصحي للإصابة بالسعال المزمن والإجهاد والدوار وضيق التنفس.

ووفق البيان، تسبَّب غازات النشادر وأول أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت التي تتكون في خزانات التعفن ومواسير الصرف، التي يؤدّي فيها عمال الصرف الصحي عملهم، إلى إصابتهم بالإغماء أو الوفاة، وهو ما حصل لكثير من المهمشين كما ذكر الشرعبي.

علاوةً على ذلك، يؤكّد البيان أن استمرار احتكاك العمال بكثير من الكائنات المُمرضة في مخلفات البشر البرازية قد تكون لها آثار ضارة طويلة الأمد على صحتهم، وهو ما قد يفضي إلى الوفاة. وتطرق البيان الصحي المشترك إلى المشاكل التي يعاني منها عمال الصرف الصحي وظروفٍ قد تسبب لهم أسوأ العواقب المترتبة من الأمراض التي توهن الصحة، إلى جانب “الوصم بالعار” في المجتمع، وغالبًا يتوارون عن الأنظار على إثر ذلك.

النظافة الشخصية

توصي منظمة الصحة العالمية في نشراتها الصحية على موقعها الرسمي بأهمية النظافة الشخصية والالتزام بها بشكل كبير وأنه أمر ضروري بالنسبة لعمال الصرف الصحي والمجاري؛ إذ من شأن عملهم أن ينقل الأمراض والأوبئة.

وتعتبر النظافة من أبرز الأمور الشائكة لدى المهمشين العاملين وأيضًا أفراد الفئة كلهم؛ إذ يُلحظ عليهم الإهمال في النظافة الشخصية والبيئة المحيطة، وبحسب ناجي هناك كثير ممن لا يلتزم بالنظافة، ويرى ناجي أنه كان يحرص عليها كثيرًا، فقلّلت من إصابته بالأمراض.

تنصح منظمة الصحة العالمية العاملين في الصرف الصحي بضرورة غسل اليدين بالصابون أو استخدام معقم اليدين بنسبة 70٪ من الإيثانول بعد الانتهاء من العمل، حتى لا يُصاب العامل بالأمراض. وتقول إنه لا يجب ارتداء ملابس العمل المتسخة في المنزل، ويجب تنظيفها بمحلول الكلور وتنظيف القفازات والأحذية، والمعاطف البلاستيكية أو المطاطية ذات الخدمة الشاقة القابلة لإعادة الاستخدام، بالماء والصابون وتطهيرها بالكلور أيضًا.

وترى الصحة العالمية بأنه يجب دائمًا تشجيع عُمال الصرف الصحي على غسل أيديهم ومناطق الجلد المكشوفة الأخرى، وبعد ملامسة النفايات والأجسام، وبعد لمس المعدات، وقبل وبعد وضع معدات الوقاية الشخصية، وبعد ملامسة المراحيض والأنابيب، وقبل الأكل وهو الأهم.

كما يجب على العمال تجنّب لمس وجوههم وأعينهم وأنوفهم وأفواههم وأي تقرحات مفتوحة أثناء العمل، وفي حالة ملامسة العينين يجب غسلها جيدًا، إضافةً إلى المحافظة على نظافة الجروح وتغطيتها، وعدم الأكل أو الشرب أو مضغ العلكة أو التدخين أثناء العمل.

وتشدد الصحة العالمية في نشراتها الصحية على ضرورة إزالة ملابس العمل الملوثة ومعدات الوقاية الشخصية قبل تناول الطعام، ويفضل أن يُتناول الطعام في مناطق بعيدة عن إجراءات معالجة النفايات الصرف الصحي.

( أنتجت هذه المادة بدعم من منظمة “lnternews” ضمن مشروع “Rooted in trust” في اليمن)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.