شتاء المُهمّشين.. أجساد نحيلة تبحث عن الدفء في خيام متهالكة

‏  5 دقائق للقراءة        937    كلمة

كانت الأجواء باردة والساعة تشير إلى السابعة والنصف صباحاً عندما وصلت إلى تجمّع المهمشين في منطقة الحصبة وسط العاصمة صنعاء، هناك أطفال أشباه عراه يلهون من دون اكتراث بصحتهم، ولا أحد يحميهم مانعا من ذلك، وعندما سألتهم: لماذا لا ترتدون ملابسكم؟ يصمتون، وكأنهم يعاقبونك على قسوة السؤال، ولا يبقى أمامك إلا أن تمنحهم ابتسامة.

 

في مخيمات المهمّشين حيث ترتجف أطراف الصغار والكبار من البرد القارس، في ظل معاناة لعائلات تلتحف السماء يتجمع أفرادها متلاصقين بحثا عن الدفء كوسيلة وحيدة أمامهم، حيث لا يجدون أبسط مقومات الحياة، ويعيشون في مساكن الصفيح المُتهالكة، يُصارعون من أجل البقاء على قيد الحياة.

 

في تجمعات المهمشين في صنعاء مأساة ومعاناة قاسية، حيث البر

د القارس ينهك أجساد سكان هم الأشد فقراً، وحيث المرض والجوع وأجساد نحيلة بأمعاء خاوية، يحلمون بالعيش بأدنى متطلبات الحياة التي لا تتوفر دائما، ويزيد الشتاء من معاناتهم بشكل خاص.

 

فاقمت أوضاعَ المهمشين موجاتُ النزوح التي شهدتها مناطق الصراع، حيث اكتظت مخيماتهم بنازحين جُدد وأسر أخرى جاءت من المحافظات التي تشهد قتالا لتسكن معهم، ومنها محافظة الحديدة (غرب اليمن)، وما زاد هذه المعاناة تغير الطقس عليهم كلياً، فهم قادمون من محافظة طقسها حار إلى العاصمة صنعاء ذات البرد القارس في الشتاء.

معاناة المهمشين من البرّد
أحمد (38 عاماً) نازح من الحديدة، يقطن في أحد تجمعات المهمشين في حي الحصبة، منذ مطلع عام 2016 بسبب الصراع المتصاعد، وقد تنقّل بين عدد من المخيّمات، واستقر هنا منذ عامين.

 

يقول أحمد في حديث لصوت المهمشين: “الحياة مأساوية هنا، خصوصا خلال فصل الشتاء. لا يمكن للخيمة أن تحمينا من البرد والمطر”، وتتكرر معاناة سكان هذه التجمعات (تُسمى شعبيا بالمحاوي) كل عام في فصل الشتاء، وهم ينتظرون المساعدات الإنسانية من المنظمات المهتمة بشأنهم وفاعلي الخير.

 

على أبواب “تجمع الحصبة” وجدنا سيدة تُدعى “أم مريم”، وهي ممدّدة على الأرض تفترش بطانية مهترئة. حاولت أن تختصر لنا كل ما تملك في مواجهة الشتاء هي وأطفالها الأربعة قائلة: “لا أملك سوى هذه البطانية وحصير آخر نستخدمهما

لتغطية سقف الغرفة التي نعيش فيها”، وأضافت: “ما فيش أحد يقوم بمساعدتنا. كل الي يجوا فقط يسجلوا أسماءنا ويصورونا وما عاد نشوفهم مرة ثانية”.

 

على مقربة من أم مريم كان هناك امرأة أخرى كبيرة في السن تدعى “سعدية”، ساقها مكسورة ومتكئة على عصى، تسكن هي وزوجه ابنها وأحفادها الستة في غرفة لا تتجاوز مساحتها ثلاثة متر مربع، تتحدث لصوت المهمشين وعلامات الغضب على وجهها قائلة: “لا تصوّرني! قد تصورت ألف مرة، ولم يعطونا مساعدات، ونحن لا نملك شيئا. أنا الآن استدفئ بالشمس”. في اعتقادها أننا نتبع منظمات إغاثة.

 

وأضافت واصفة معاناتهم خلال فصل الشتاء: “معنا ثلاث بطانيات ونحن ثمانية. أمس الليل الأطفال يتضاربون عليها من البرد، ما معنا غير الله يساندنا. حسبنا الله ونعم الوكيل”.

 

ويبدو ذلك واضحاً من خلال مشاهدتنا للحالة المأساوية التي يعيش فيها غالبية المهمشين، حيث دورات المياه مشتركة لأكثر من أسرة، والخيام التي يسكنونها متداخل بعضها مع بعضها بشكل لا تستطيع فيه أن تميز بين خيمة وأخرى، وليس هناك أبواب لهذه الخيام، ولا خصوصية للعوائل.

تجمعات بلا أي خدمات

هناك أكثر من 17 تجمعا للمهمشين منتشرة في مدينة صنعاء وضواحيها، بحسب مدير إدارة التأمين الصحي بصندوق النظافة والتحسين حيدر سويد الذي قال: “إن تلك التجمعات في ازدياد متواصل؛ فالصراع المتواصل في أغلب المدن اليمنية تسبب بموجة نزوح كبيرة خلال الأعوام الماضية”. وأضاف في تصريح لصوت المهمشين أن هذه الفئة من المجتمع تواجه البرد بصعوبة بالغة بالإضافة إلى منازلهم البسيطة وغير المؤهلة للسكن الآدمي؛ فلا توجد لديهم أدنى مستلزمات الشتاء.

 

ولفت سويد قائلا: “لا تتلقى هذه التجمعات دعما حكوميا أو دعما من أي منظمات فيما يخص مستلزمات تواجه بها فصل الشتاء، وإن وجدت في بعض التجمعات فلا يوزع إلا الأنواع الخفيفة، ويكون ذلك بغرض الدعاية والتصوير”.

وأوضح أيضا: “تزداد لديهم الإصابة بالأمراض في الشتاء، وبالذات التهابات الصدر الحادة، وغير ذلك من أمراض التي تكون أحيانا قاتلة، خصوصا للأطفال وكبار السن، وهذا بالطبع إضافة للأمراض والأوبئة التي يتعرضون لها بصورة مستمرة”.

 

لا إحصائيات دقيقة لعدد المهمشين
من جانبه، قال نعمان الحذيفي رئيس الإتحاد الوطني لتنمية الفئات الأشد فقرا (المهمشين): “ليس هناك إحصائيات رسمية لحصر سكان تجمعات المهمشين في صنعاء بشكل خاص، وليست هناك أيضا إحصائيات دقيقة لعدد أفراد هذه الفئة في اليمن بشكل عام”.

 

وأضاف في حديث لصوت المهمشين “توجد تقديرات مختلفة حول عدد مجتمع المهمشين في اليمن، منها ما يشير إلى أن هناك ما بين 500 ألف و3.5 مليون شخص، أي ما بين 1.8٪ و12.7٪ من السكان وهي نسبة كبيرة جدا”، فمع مستوى المواليد العالي في هذه الفئة، يمكن أن تشكل نسبة كبيرة من سكان الجمهورية اليمنية في فترة وجيزة”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

صورة لطفلين من فئة المهمشين في يوم شتوي – الحصبة – أمانة العاصمة صنعاء

بوسطة: عبد الواحد السماعي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.