رقية.. مهمشة تقدّس العلم وتخدم المجتمع طوعيا

مساعدة طبيب، رائدة أعمال، وناشطة مجتمعية

‏  6 دقائق للقراءة        1046    كلمة

بوصفي فتاة مهمشة، أقول: “إن الطموح يصبح أصعب، مهما بدا لغيرنا من الفئات حقًا طبيعيا في العيش الكريم، فإذا حصلتُ أنا -الفتاة السمراء- على الشهادة الابتدائية، أعدّ نفسي حققتُ كثيرا، وهذا بالنظر إلى مدى صعوبة الحياة وندرة الدعم والإمكانيات حولي”. بهذه الكلمات وصفت رقية طموح الفتاة المهمشة بوصفه منالا بعيدا، مع أنه حق طبيعي لدى الجميع.

نشأت رقية محمد سالم (25 عامًا) في محافظة ذمار شمال اليمن. وفي سنٍّ مبكرة وجدت نفسها الابنة البكر المسؤولة عن إخوانها الصغار الخمسة، ورغم المسؤولية التي كانت أكبر من عمرها، حلمت أن تصبح طبيبة؛ كي تساعد الفقراء والمحتاجين أمثال عائلتها، وتقدّم لهم الرعاية الطبية.

الحل الوحيد

تروى رقية قصة كفاحها في التحصيل العلمي قائلة: “مررتُ بجميع التحديات الاجتماعية والاقتصادية؛ لأني من أسرة فقيرة ومهمشة، لكنني قهرت كل العقبات بصعوبة، ولم ألتفت للوراء”. وبالفعل، حددت رقية لنفسها هدفًا ترى أنه الحل الوحيد لانتشالها مع إخوانها ومجتمع المهمشين من البؤس والضياع. توضّح رقية لمراسلنا أن هدفها الوحيد هو التفوق والنجاح الذي عملت لأجل تحقيقه كثيرا حتى وصلت. تفوقت رقية وحصلت على مراكز متقدمة في كل مراحل تعليمها من الابتدائية حتى الجامعة، بشهادة زميلاتها ومعلماتها.

“فاطمة علي” زميلة رقية في المدرسة من غير فئتها. تؤكّد فاطمة أن رقية طالبة متميزة، ومكافحة كانت تذاكر دروسها تحت ضوء القمر، وتضيف فاطمة: “تملك رقية مهارات متعددة مثل النقش والكوافير والقِبالة، ويؤلمني جدا أن أراها تواجه التهميش والاستهجان في مجتمعي، وقد عاهدتُ نفسي أن أكون عونًا لها ضد كل فعلٍ عنصري، لأنها، ببساطة، تستحق مني ومن كل أفراد المجتمع كل الحب والمساندة والتقدير”.

تنفست رقية بعمق جوار زميلتها فاطمة، وأضافت: “عندما أردتُ أن أتجاوز التمييز والتهميش، قررتُ أن أتعلّم تعليمًا نوعيًا، وأن أكون مميزة في مجالات مختلفة؛ لأتمكن من مساعدة الفئات الأكثر احتياجا، وليتسنّى لي الحصول على فرص عمل متعددة بسهولة ويسر”.

عمل وإصرار

تفوّقت رقية في الشهادة الثانوية، وكان ذلك بمدرسة أبي موسى الأشعري في معانس، وِصاب، محافظة ذَمار. ثم انتقلت إلى محافظة الحُديدة لتتميز في شهادة الدبلوم العالي بدرجة امتياز في تخصص “مساعدة طبيب” من كلية الشفاء للعلوم الطبية والتقنية 2016، كما حازت على دبلومين في اللغة الإنجليزية ومهارات الحاسب الآلي.

تقول رقية محمد سالم لصوت المهمشين: “حلمتُ أن أغدو طبيبة وأصبحتُ بعون الله كذلك. لا أنكر أنني عانيت كثيرًا في مسيرة تعليمي الجامعي بعد وفاة أبي وأمي، لكنني تجاوزت أحزاني وقهرتُ كل الصعاب”. وتضيف أنها قدّمت ملفها عام 2018 إلى مكتب الخدمة المدنية بذمار للحصول على وظيفة، وهي بانتظار حقّها مثل أي مواطنة يمنية في الوظيفة العامة لتتوّج ما بذلته من جهود.

كيف تجاوزت الصعاب

تصحو رقية مبكرة، لتحضير وجبة الفطور لإخوانها الخمسة، كي يذهبوا إلى المدرسة، ثم تشدّ الرحال إلى عملها التطوعي في إحدى الوحدات الصحية، بعزلة بني معانس التابعة لمديرية وصاب السافل بمحافظة ذَمار. وهذا بالإضافة إلى عمل تطوعي آخر في مدرستها “أبي موسى الأشعري” في العزلة نفسها، وتعود في الظهيرة لطهو الطعام مجددا والعناية بشؤون المنزل.

تضيف رقية قائلة: “كان أبي وأمي يحلمان أن نكون أسرة نموذجية. واجتهدوا في تعليمي ودعمي حتى أكملتُ الثانوية، وبعد وفاتهم قررتُ أن لا أخيب ظنهم، فواصلت تعليمي الجامعي، وبذلت جهدًا كبيرًا في دعم إخواني وأخواتي ماديا ومعنويا، حتى أكملوا الثانوية وسأعمل على إلحاقهم بالجامعة في العام القادم”.

تتحدث رقية حول سبل العيش والتغلب على ظروف الفقر قائلة: “قمتُ بافتتاح مشروع لبيع الإكسسورات، لتغطية النفقات المنزلية والتعليمية لأسرتي، ولمحاولة التغلّب على كل الصعوبات التي تواجهنا. بالإضافة إلى مشروع صغير آخر وهو تربية المواشي”، وهذان المشروعان قد حفظا ماء وجهها وعائلتها من ذُل المسألة.

“بالعلم نقضي على الفقر”

“إن أمي وأبي لم يغادرا الحياة إلا وقد نجحا في غرس هدف في عقولنا، وهو أن العلم نور والجهل ظلام” تقول رقية. وتسترسل بالحديث قائلة: “تعلمنا أن نكون يدًا واحدة، لنستطيع أن نكافح ونقضي على الفقر وننطلق نحو مستقبل أفضل، وبالفعل كسبنا الاحترام والتقدير وحسن المعاملة من الشخصيات الاجتماعية وبقية فئات المجتمع”.

وتضيف: “أقوم بتوعية النساء السُمر (ذوي البشرة السمراء) بأساليب مكافحة الفقر بمشاريع صغيرة، وتنظيم الادخار للحد من ظاهرة التسول بالإمكانيات المتاحة، فالفقر ظاهرة قد توجد في أي بلد، وعلينا أن نكافحه وأن لا نستسلم له”. وتشير إلى أن ظاهرة انتشار التسول والمتسولين بين أوساط المهمشين لها عدة دوافع، منها الحاجة والفقر، ومن أسبابها الجهل وغياب الوعي، فكثيرون يعتبرونها وظيفةً يومية للاسترزاق مع الأسف، وهذا الأمر يسيء لفئة المهمشين، ويعمّق من حجم الفجوة بين ذوي البشرة السمراء وبقية أفراد المجتمع، وهو ما يدفع رُقية للجزم بيقين بأن العلم هو الذي سيقضي على الفقر بين أوساط المجتمع، لا سيما الفئة السمراء.

عطاء بلا حدود

تعدّ الدكتورة رقية محمد سالم الوحيدة من الفئات السمراء الحاصلة، في إطار مديرية وصاب، وربما في محافظة ذمار كلها، على شهادة دبلوم عالي بتخصص مساعدة طبيب، ويصل عدد أبناء الفئة في محافظة ذمار إلى أكثر من 38 ألف نسمة، وفقا لآخر إحصاءات الاتحاد الوطني للتنمية الفئات الأشد فقرا في اليمن.

تشعر رقية بمسؤولية كبيرة تجاه أهلها وبقية المجتمع، ولذلك أسّست مبادرة “التآلف المجتمعي” عام 2019 عند انتشار جائحة كوفيد 19، ونفّذت حلقات توعية للنساء في أساليب وكيفية الوقاية من مخاطر المرض، وخصوصا للنساء السُمر؛ إذ أن نسبة الأمية مرتفعة جدا في أوساطهن ولغياب الوعي الصحي، بحسب قولها. وتضيف أن الأسباب سالفة الذكر جعلت المهمشات أكثر عرضة للأمراض مثل الملاريا والحميات الفيروسية الأخرى المنتشرة حاليا.

توضح رقية أنها تعمل في مهنتها بكل صدق وأمانة، وهدفها الأسمى مساعدة الفئات الفقيرة والأكثر احتياجا، كما تحلم بمجتمع صادق متعاون يعمل بصدق وأمانة بعيدا عن المجاملات والرشوة والأفعال التمييزية بين فئة وأخرى، مجتمعٍ يهتم ويدعم ويشجّع الجميع، خالٍ من جميع الأمراض والأوبئة.

وتطالب رقية المنظمات الدولية بالاهتمام بالجانب الصحي للنساء السُمر وفي شتى المجالات، ابتداءً بسوء التغذية والتوعية بمخاطر كوفيد 19 والملاريا والحميات الأخرى، وانتهاءً بالسكن الصحي الملائم، وبالتدريب والتأهيل النوعي للفتيات السمر المتعلمات بما يمكنهن من تقديم برامج وحلقات توعوية مكثفة في الجانب الصحي. وتختتم قائلة: “لم نعشق الطب مهنةً، بل عشقناها رسالةً إنسانية، حتى نعيد الابتسامة لمن فقدها”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.