راكان العَزْعَزي.. الطبيب الأسمر من الحلم إلى الحقيقة

‏  5 دقائق للقراءة        858    كلمة

الطموح والإرادة القوية لا يعرفان الألوان، وعلى الإنسان أن يمضي قُدما ليصل إلى مبتغاه، والمعاناة تولّد الإبداع عند أصحاب العقول النيرة، فضلًا عن كسرها للقيود الاجتماعية مهما ارتفع سقفها وكبر حجمها. هذا ما قاله الطبيب راكان للواقفين احترامًا لنجاحه في حفل تخرجه من كلية الطب في جامعة تعز لعام 2020/2021. وراكان سعيد نعمان العَزعَزي الشاب المهمّش الذي حقّق في مرحلة الثانوية العامة نتيجةً بمعدل 92,5٪ ثم رسم طريق حلمه ليتخرج طبيبا.

يقول راكان العزعزي (26 عامًا من تعز): “الناس سواسية، وقد أثبت العلم الحديث أن 99.9 من الناس مشتركين جميعا في جينات واحدة بكل أنحاء العالم؛ فالعلم والأخلاق وأسلوب التعامل مع الآخرين يجعلك أكثر رقيًا وقبولا عند الجميع”.

بدايته ونشأته
ولد راكان عام 1995م في أسرة محدودة الدخل، ولديه أختان وثلاثة أخوة في قرية الوسطى التابعة لعُزلة العَزاعز بمديرية الشمايتين جنوب غرب محافظة تعز. يشير أساتذة راكان في المدرسة إلى أنه عُرف بذكائه المتوقّد منذ الصفوف الأولى في المدرسة، وقد استمرّ في تفوقه التعليمي حتى نهاية الثانوية العامة بقسمها العلمي في مدرسة الخير.

يقول راكان عن تخرجه من الثانوية العامة: “أقام الأهل والجيران والمدرسون وجميع أصدقائي احتفالا بي، وبعد أيام وصلني طلب من رجل الأعمال عبد الله عبده سعيد أنعم بمقابلته، فقابلته صباح اليوم التالي. سألني: “ماذا تريد أن تدرس؟”. قلت: “أرغب أن أدرس الطب”. أخذ القلم من يده ووجهه إلى الجمعية الخيرية للمرحوم هائل سعيد أنعم باعتماد منحة مالية. وفي فترة العطلة الصيفية في ذلك الوقت التحق بأكاديمية السعيد لدراسة دبلوم حاسوب وحصل على الأول مكرر، ودرس لغة إنجليزية مكثفة”.

تعليمه الجامعي
التحق راكان بكلية الطب في جامعة تعز، وواصل تعليمه فيها مقاومًا لظروف الحرب والأزمات التي حلّت بالمدينة رغم انتقال الكلية إلى محافظة إب حتى تخرج منها في الـ27 من ديسمبر 2021 بتقدير جيد جدًا.

يجمع زملاء راكان أنه يتمتع بشخصية اجتماعية فريدة مكّنته من خلق علاقات نوعية ومميزة معهم ومع هيئة التدريس التي ساعدته على تحصيل علمي متمكن في الطب البشري.

يتحدث راكان لصوت المهمشين قائلًا: “هذه ليست المرحلة الأخيرة لطموحي العلمي، بل سأكمل ما تبقى من الحلم في الماجستير والدكتوراة؛ لأتمكن من علاج المرضى بكفاءة عالية ومن مساعدة الفقراء وخدمة اليمن أرضًا وإنسانا”.

الواقع العملي
تميّزُ راكان وإبداعه وإتقانه في العمل التطبيقي والتحصيل العلمي المثمر جعله محل أنظار أرباب العمل؛ حيث تعاقد مع معهد جامعة العلوم والتكنولوجيا للعمل مدرسًا فيه، بالإضافة إلى التعاقد معه أيضا في الكلية العصرية للعمل مدرّسًا في مدينة إب منذ بداية الفصل الثاني من السنة الأخيرة البكالوريوس “طب عام وجراحة”.

يقول مدير مستشفيات الثورة في الجمهورية اليمنية سابقًا د. عبد الملك مسعد: “راكان شاب مجتهد ونشيط، وضع أهدافه أمام عينيه، يعرف الطريق جيدا للوصول إليها، يدير وقته بانتظام وبدقة عالية. تجربته الرائدة ودماثة أخلاقه وشخصيته جعلت كثيرا من الناس يتحدثون عنه ويكتبون عنه مشيدين بما حققه هذا الشاب الذي كان لوالديه ومشجعيه دور كبير في تحقيق حلمه”.

في فضاء فيسبوك
شهد وسيلة التواصل الاجتماعي فيسبوك موجةً من المنشورات التي أوضحت ردة فعل إيجابية للمجتمع تجاه تخرج أول شاب من المهمشين طبيبَ جراحة عامة، فعلى سبيل المثال، كتب يونس العزعزي في صفحته: “راكان العزعزي هو الطبيب الذي سأذهب إليه لأتداوى وأنا مطمئن، والذي أثق بأنه لن يكذب عليّ، ولن يهتم بالتكلفة المالية أكثر من اهتمامه بالمعالجة السليمة. راكان العزعزي كسر كل المعوقات وكل الصعاب وكل العوائق وكل العادات والتقاليد الباطلة والخاطئة. وها هو اليوم يتخرج من كلية الطب البشري باذلاً فيها جهداً عظيماً حتى وصل إلى ما يطمح إليه”.

أما نور الدين العزعزي فكتب في صفحته: “الدكتور راكان العزعزي من منطقة العزاعز يحصل على شهادة الطب البشري من جامعة تعز. حفر الصخر كي يكون طبيبا لم تُعقه العادات والثقافة، ولم تُعقه لون بشرته ولا مكان سكنه ولا نظرة المجتمع له. قاوم وتميز وأثبت أن لا شيء ممكن أن يعيق الإنسان عن تحقيق أحلامه ومستقبله الذي يريد”.

الناشطة الحقوقية وئام الصوفي كتبت في صفحتها: “على الرغم من أن راكان سعيد العزعزي من الفئة المهمشة، كان له طموح وتخطى العقبات وتجاوز كثيرا من الأزمات والمحن وتمكن بمثابرته وعزمه واستطاع بالجهد من صناعة ذاته والنجاح في حياته ليتخرج من كلية الطب جامعة تعز”. وأضافت وئام: “استطاع راكان سعيد العزعزي أن ينقش اسمه اللامع على لائحة النجاح والتميز؛ ليطوي صفحة من صفحات حياته المليئة بالتعب ويستبدلها بصفحة بيضاء سطورها الأمل والفخر والتفوق والنجاح”.

وكتب فاروق ثابت سعيد في صفحته: “اكتبوا أنه حقق هدفه رغم المعاناة والظروف القاهرة، وفقر أسرته. اكتبوا عن قصة نجاحه، كيف تجاوز كل ذلك وأصبح طبيبا يفخر به أهله ونفخر به. تحدثوا عن انطلاقته الملهمة من ريف العزاعز وكيف نشأ. لا تذكروا أي تصنيف تراكمي خاطئ له يرمز لها بالتهميش. أنتم من تهمشون التفكير عن هذا النجاح. هو يمني أخ وزميل وصديق. هكذا تحدثوا عنه، واكسروا الحواجز البالية والتراكمات التي أوصلتنا، ولا تكونوا مروجين لها”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.