دراسة: عوامل تعيق دمج فئة المهمشين في اليمن

عرض/ وهب الدين العواضي

‏  6 دقائق للقراءة        1190    كلمة

تُعدّ قضية دمج المهمشين في المجتمع اليمني من المسائل الشائكة بفعل التعقيدات التي تشكّل حاجزا حول هذه الفئة بوصفها أقلية عرقية ولطبيعة بنيتها الاجتماعية، إضافةً إلى الفقر الذي تعيشه هذه الفئة، وهو الأمر الذي يبين عدم وجود توجه حكومي أو مجتمعي لدمج هذه الفئة، بتحسين أحوالها الاقتصادية والمعيشية.

تشير دراسة ميدانية حديثة، لجمعية المستقبل الاجتماعية التنموية، إلى أن تلك العوامل قد تقف وراء صعوبة دمج هذه الفئة إلى جانب عوامل أخرى تتمثل بعضها في العزلة التي يعيشها أفراد هذه الفئة نتيجةً للتهميش، ويمثل ذلك تحديًا لعمليات التكامل الاجتماعي والتنمية التي تطور من وضع الأفراد وتدفعهم إلى مشاركة عملية البناء الشامل للمجتمع الذي يعيشون في إطاره، وبالتالي يتحقق الدمج.

معوقات اجتماعية
تذكر الدراسة الميدانية لجمعية المستقبل الصادرة في مطلع إبريل الماضي، وقد نُفذت في عدد من مديريات مدينة تعز (المظفر، القاهرة، صالة) أن هناك عوامل عدّة أخرى أعاقت عملية دمج أفراد فئة المهمشين في المجتمع اليمني، منها عوامل اجتماعية تتمثل في طبيعة الانتماء القبلي الذي يحدّد ويضع المراكز الاجتماعية للأفراد؛ إذ هناك بعض القبائل اليمنية تضع المهمشين في مكانة اجتماعية متدنية وتحدد لهم أعمالا معينة.

وتؤكّد الدراسة أن الذهنية القبلية في المجتمع اليمني ما زالت حاضرة بالرغم من حالة التمدّن والتحضر الذي يعيشه أفراد المجتمع في الوقت الحالي، وبالتالي هذه العقلية أو الذهنية بما تحمله من قيم ومعايير وعادات وتقاليد سلبية لا تخدم الاندماج الاجتماعي، وتواصل في تمييز هذه الفئة واحتقار مكانتهم الاجتماعية وأعمالهم وحياتهم.

وتناولت الدراسة التراتب الاجتماعي الممتدّ من الانتماءات القبلية ودوره في عملية التمييز والعنصرية المسيطر على فئة المهمشين؛ إذ إن تقسيم المجتمع اليمني منذ عقود إلى طبقات عليا ودنيا أسهم في إقصاء المهمشين من الوظائف الحكومية والمناصب، وحصرهم في المهن والحرف والأشغال التي يحتقرها المجتمع، وهي ذات أجور متدنيّة عملت على تغلّغل الفقر في أوساط هذه الفئة، وفق الدراسة.

معوقات سياسية
تطرقت الدراسة إلى الجانب السياسي ودوره في إعاقة عملية دمج المهمشين في المجتمع، فترى الدراسة أن الصراعات والأزمات السياسية بالإضافة إلى الانقسامات الجهوية والنزاعات المناطقية والدينية والطائفية أعاقت عملية الدمج وأسهمت في استمرار التهميش لأفراد الفئة.

وأوضحت الدارسة أن العجز في بناء دولة حديثة واتجاه النخب الحاكمة إلى تعبئة المجتمع في صراعاتها السياسية، أعاق عملية الدمج، فقد أهملت تلك النخب إشراك المهمشين في الحياة العامة والسياسية، وجعلتهم يغرقون في عزلتهم، وتشير إلى أنه منذ عقود لم تعمل الأحزاب على نشر السياسة الحديثة، بل نشرت الثقافة التقليدية العصبوية داخل تلك الأحزاب، وهو ما أدّى إلى غياب الديمقراطية، فساعد ذلك في تهميش أفراد الفئة من الحياة السياسية.

معوقات اقتصادية
تبحث الدراسة في المعوقات الاقتصادية لدمج المهمشين، وترى أن الفقر الذي يعيشه أفراد الفئة له علاقة بالتقسيمات الاجتماعية للمجتمع، ويُعدّ الجانب الاقتصادي معيارًا لتمايز وترتيب طبقات المجتمع، وهنا اتسمت أوضاع المهمشين الاقتصادية بالبؤس والحرمان، ولم يكن بمقدورهم منذ عقود شراء أو امتلاك أراض والبدء في زراعتها واستثمارها، بسبب عدم امتلاكهم للمال، وإذا توفّر لديهم المال، فلا يمكنهم الشراء أيضًا.

ولفتت الدراسة إلى أن الفلاحين والمزارعين يحرصون على عدم بيع أراض زراعية للمهمشين، ليظلوا تابعين لهم، عاملين لديهم، لأن حيازة أرض في المجتمع اليمني يضيف لصاحبها مكانة اجتماعية مرموقة، إلى جانب أنها مصدر دخل وفير وثروة.

وفي هذا الخصوص، تقول الدراسة إن مصادر الدخل التي يحصل عليها أفراد فئة المهمشين سواء على مستوى الريف أم المدينة، تكون بقرع الطبول وخدمة الأهالي في أثناء المناسبات، وحمل الأشياء، وكذلك التنظيف وغسل الأدوات مقابل أجور زهيدة لا تنهض بأفراد الفئة، إضافةً إلى مساعدة الأهالي في مواسم حصاد البذور والمحاصيل الزراعية، هذا بالنسبة لمناطق الريف.

أما في المدينة، بحسب للدارسة، تتمثل معظم مصادر دخل المهمشين، بنظافة المدن وكنس الشوارع وحمل القمامة وتنظيف المجاري، وبعضهم يعملون حمّالين في الأسواق وفي قرع الطبول في الشوارع والأسواق لإطراب الناس، وجميع تلك الأعمال يحتقرها المجتمع.

معوقات ذاتية
جاء في الدراسة أن شعور المهمشين بالنقص والدونية بفعل نظرة التعالي من قبل المجتمع اتجاههم، جعلتهم يقبلون بالحدود التي رسمها ذلك المجتمع المحيط بهم، فأصبحوا ينظرون لأنفسهم وفقًا للتصور السائد عنهم بوصفهم أقل شأنًا ومكانةً وثراءً من بقية أفراد المجتمع، وهذا يعيقُ من عملية الدمج، بحسب الدراسة.

ويظهر شعور المهمشين بالرضى عن الوضع الذي يعيشون فيه، حالة اليأس والإحباط والاستسلام لدى أفراد هذه الفئة، وبالتالي عدم قدرتهم على التغيير وفقدان الأمل في تحسين أوضاعهم مستقبلاً، عوضًا عن عدم شعورهم بالأمان من المجتمع المحيط بهم، كما تشير الدراسة، وتعتبر أن تقارب مساكنهم وتزاحمها تعبّر عن شعورهم بالخوف والتوجس وعدم الاطمئنان للآخرين من أفراد المجتمع.

كل تلك العوامل الذاتية والسمات التي ارتبط بأفراد فئة المهمشين منذ عقود وتنامت مع الأجيال والمراحل العصرية لفئة المهمشين في اليمن حالت دون عملية دمجهم في المجتمع أو بشكل دقيق كما وصفت الدراسة “شكّلت واحدة من أهم المعوقات في عملية دمج المهمشين في المجتمع”.

“الأمية” أهم عوامل التهمش
أظهرت عيّنات الدراسة التي وزعها معدّو الدراسة بإجراء مقابلات ورصد ميداني لتجمعات المهمشين في مديريات مدينة تعز (المظفر وصالة والقاهرة) أن الأمية تمثل واحدة من أهم الخصائص التي يتصف بها المهمشون الذين شملتهم الدراسة، ولفتت الدراسة إلى أن الأمية تُعدّ أحد معوقات الدمج الاجتماعي لهذه الفئة.

إذ بلغت نسبة الأمية من عينة الدراسة 34% من مجتمع المهمشين، أي بواقع 107 شخصًا من المهمشين لم يتلقوا التعليم، فيما بلغ من يستطيع القراءة والكتابة فقط من دون التعليم نحو 8.6% فقط، أي بواقع 27 شخصًا، وهو عدد يسير مقارنة بعينة الأفراد غير المهمشين في المجتمع نفسه ممن شملتهم الدراسة للمقارنة بين المجتمع المهمش وغير المهمش.

مصادر دخل غير مجدية
بحسب الدراسة، تبيّن أن عدد الأفراد الذين يعملون يصلون إلى 85% من مجتمع الدراسة، أي بواقع 268 شخصًا من إجمالي 315، فيما لا يعمل 47 شخصًا بنسبة 15%، وعلى الرغم مِن أن غالبية العينة يعملون، يظل مقدار الدخل، سواء أكان يوميا أم شهريا، متدنيا، وأحيانًا يصل الأمر إلى انعدام الدخل تمامًا ووقوع الكثير من الأسر المهمشة تحت خط الفقر.

وعلى صعيد مقدار دخل الأفراد المهمشين الذي شملتهم عينة الدراسة ممن يعملون، تبين أن 193 شخصًا من المهمشين، أي بنسبة 61.3% تصل مصادر دخلهم إلى 1500 ريالا يمنيا، أي ما يقابل دولارا أمريكيا واحدا و30 سنتا، وأن 79 شخصًا بنسبة 25% تتراوح مصادر دخلهم من الأعمال التي يمتهنونها من 1500 إلى 3 آلاف ريال، أي ما يقابل دولارًا واحدًا إلى دولارين ونصف.

وبيّنت الدراسة في عينتها أن 9 أشخاص من المهمشين بنسبة 3% تقع مصادر دخلهم بين 3 آلاف إلى 4 آلاف ونصف، بينما 20 شخصًا بنسبة 6% مصادر دخلهم بين الأربعة آلاف ونصف و6 آلاف، إضافةً إلى أن 5 أشخاص فقط بين 6 آلاف و7 آلاف ونصف، وبعدد 9 أشخاص تتجاوز مصادر دخلهم السبعة آلاف حتى العشرة آلاف فأكثر، أي تصل إلى 10 دولارات أمريكية فقط، وهذا يُعد رقما مرتفعا بالنسبة للمهمشين.

( أنتجت هذه المادة بدعم من منظمة “lnternews” ضمن مشروع “Rooted in trust” في اليمن)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.