‏  1 دقيقة للقراءة        7    كلمة
‏  1 دقيقة للقراءة        7    كلمة

الكود العثماني شرق عدن.. أقلية منسية يبدّدها الهلاك   

تقرير - رانيا الباهزي كان قدرها أن تُخلق مشوّهة بنصف جسد. إنها الطفلة عيشة يونس ذات الثلاثة أعوام حبيسة الإعاقة تتكئ على حوض ويد واحدة من دون أرجل، لها أخ يكبرها بعام مصاب بداء الثعلبة، وآخر يكبرها بتسعة أعوام يخضع لعملية قسطرة في المثانة، هؤلاء هم أفراد عائلة واحدة فقيرة مرمية في أحضان فئة من الأقليات المهمشة، تتقلّب بين ركام الآلام والحرمان في منطقة كود العثماني بمديرية الشيخ عثمان شرق محافظة عدن. وكأن الأقدار المعاكسة تتمدّد لتجعل من هذه الفئة منكوبة مُعدمة في بيئة تتلقفها الأوبئة والأمراض الفتاكة المتشابكة مع الفقر، في تحالف غادر مع انعدام خدمتي الكهرباء والمياه، والحرمان من المساكن اللائقة، ومقوّمات العيش الكريم لمجتمع مهمّش لا يمتلك أفراده هوية وطنية ولا أدنى اعتراف بشهادات الميلاد، وكأن قدرهم أن يحيوا حياة بؤس في واقع مقصي مجهول عنوانه العدم. قهر الأمهات رغم تلك المعاناة، تجد تلك الابتسامة من أطفالهم والبساطة، والفرحة في أعينهم، وتجد أيضا نظرة الحسرة وقهر الأمهات على أولادهن، تلك النظرات التي تخبرك، متسائلة: ما الذنب الذي اقترفناه لكي نعاني هكذا؟ ليأتي الرد ممن لا إجابة له على لسان أم عيشة والدموع تملأ عينيها "ابنتي عيشة تحتاج إلى التغذية الجيدة وإلى حفاظات بشكل مستمر، حتى عندما أذهب كل شهر إلى المستشفى تابع منظمة معينة كي اتفقد ابنتي عيشة، لا أجد جميع الأدوية لديهم، فيقومون بوصف العلاج لكي أشتريه من الصيدلية، ولكن للأسف لا أقدر على تكاليفه". هكذا تصف حالها وتزيد قائلة: "نحن أناس ضعفاء، لا نملك أدنى مقومات الحياة، جوع وفقر وأمراض، حتى أبسط حقوقنا لا نجدها من ماء وكهرباء وصرف صحي ومنازل شبه عارية. وأيضاً اثنان من أبنائي يعانون من الأمراض، فواحد منهم لديه عملية في المثانة، والآخر مصاب بداء الثعلبة نتيجة قلة المياه لدينا والمنظفات. أيضاً زوجي يعاني من حروق في الظهر أصيب بها في حرب الحوثي على محافظة عدن عام 2015 ميلادية، وفي فصل الصيف لا يقدر للخروج إلى الشارع لكي يقدّم لنا لقمة العيش، وذلك من شدة الحرارة يشعر بالألم في الظهر". وتضيف أم عيشة لموقع صوت المهمشين: "انظري إلى الأطفال ستجدين أغلبهم يستخدمون عشبة الحناء لدهن أجسادهم، وذلك وقاية من داء الثعلبة وقلة المياه لدينا والمنظفات".   أغيثونا بقطرة ماء لمحمد أحمد محمد معاناة بصيغتها الخاصة كما يحكي: "ستة أشهر وأكثر، ونحن على هذا الحال بدون كهرباء، ناهيك عن قلة المياه التي نحصل عليها بالحمير من بئر تبعد عننا بحوالي 6 كيلو متر، وهي مياه مالحة جداً، ولهذا يعاني الأطفال من انتفاخ في البطن وإسهال شديد. إننا في وضع مزرٍ للغاية كل أملنا اليوم خزانات مياه، ونحتاج إلى منظفات من المنظمات، نريد ماء صالحا للشرب نحن وأطفالنا. أرجو من كل مَن يهمه الأمر أن ينظر لنا بعين الرحمة والإنسانية فقط".   حياة كالعدم من جانبها تقول أم بدر: "هنا ينام زوجي من شدة الحر، وأشارت إلى مكان ممتلئ بالأتربة والأكياس، نتحمل لدغات البعوض والحشرات بكل أنواعها الضارة والأفاعي، ناهيك عن المجاري التي تسببت لنا ولأطفالنا بكثير من الأمراض المُعدية التي تقتلنا، وليس هناك من يقدّم أي مساعدة لنا وينقذنا من الموت"، وتضيف نورا أحمد ناجي: "نحن معزولون عن العالم وكأننا في عالم آخر ولسنا في محافظة عدن. لا كهرباء ولا ماء ولا صرف صحي. كل ما يتوفر لدينا هو الفقر والجوع والأمراض والعنصرية فقط، حتى أبسط حقوقنا مسلوبة وهو حصولنا على شهادات الميلاد لأولادنا والبطائق الشخصية لنا".   هوية مبتورة تقول نورا: "أنا أريد لأولادي أن يلتحقوا بالمدرسة مثل أي طفل يمني من حقه الحصول على التعليم، وأريد أن يحصل زوجي على بطاقة شخصية من أجل حصوله على شغل في مرفق حكومي. أتساءل دائماً: لماذا نحن بهذا الوضع؟! لماذا لا تنزل المنظمات إلينا لكي تنظر إلى وضعنا المزري؟! لماذا كل هذه العنصرية اتجاهنا؟!".   منكوبة منسية ينبّه رئيس اللجنة المجتمعية في منطقة الكود العثماني حي المهاجرين في محافظة عدن ممدوح أحمد سالم عوض قائلا: "ما يوجد في منطقة الكود العثماني حيّ المهاجرين الواقع في محافظة عدن للأسف وضع مزرٍ بمعنى الكلمة، فهي منطقة منكوبة، وتنعدم فيها الخدمات الأساسية، منطقة تعاني الفقر والجوع والتهميش وقلة الخدمات، فهم من دون كهرباء من ستة أشهر، ويبلغ عدد سكانها حوالي 1200 منزل من ضمنهم الفئات المهمشة والتي يبلغ عددها 50 أسرة". ويضيف الشيخ ممدوح: "قام سالم الوليدي مدير عام مؤسسة الكهرباء في محافظة عدن بتوفير محول سعة 1000، لكن للأسف إذا شُغّل فسوف يتوقف، وذلك نتيجة لكبر المنطقة وصغر سعة المحول، ولذلك المنطقة بحاجة إلى اثنين من المحولات وشبكة وكيبل أرضي وتقارب قيمته 35 مليون ريال يمني".   هل من ضمير حي نداء استغاثة أطلقه ممدوح قائلا: "نناشد محافظ محافظة عدن أحمد حامد الملس بسرعة تقديم الحلول للمواطنين، ونناشد منظمات المجتمع المدني بنزولهم للمنطقة وإيجاد حلول سريعة، وذلك بتقديم خزانات مياه ومنظفات، حيث للأسف كثرت حالات الوفيات بين الأطفال وكبار السن، بسبب انتشار الأمراض الجلدية كالثعلبة وغيرها من الأمراض الفتاكة كالإسهال والحصبة، وذلك بسبب قلة المياه وشدة الحرارة وانتشار المجاري والبعوض، وهذه الفئة أيضاً محرومة من حصولها على شهادات الميلاد والبطائق الشخصية، ولذلك يُحرم أطفالهم من التعليم". ويشير ممدوح قائلا: "جميع الدراسات حول الصرف الصحي للمنطقة لها ما يقارب سنة ونصف جاهزة، ولكن للأسف لا يوجد مموّل لها حيث كانت التكلفة بنحو 180 ألف دولار أمريكي"، ويقول صلاح دبوان الأمين العام للاتحاد الوطني لتنمية الفئات الأشد فقرا: "إن المجتمعات المهمشة هي تجمعات سكانية تقع خارج حدود الإنسانية، تلك الإنسانية التي تعمل بها المنظمات الدولية والمانحة وحتى السلطات الحكومية، تقع تلك التجمعات في ظلام ينسدل عليها مما يجعل رؤيتها غير واضحة. تلك هي النظرة التي يمتلكها المجتمع والمنظمات الإنسانية، فهم يعيشون في الضوء ولا يستطيعون رؤية المعاناة خارج الضوء. الوضع كارثي وإننا نعمل بجهود كبيرة في سبيل إيصال تلك المعاناة إلى الجهات المعنية، والاتحاد يعمل بجهود متواضعة ضمن جمعيات موجودة في كل المجتمعات المهمشة، ولكنها تزحف لكي تتمكن من الوصول إلى بعض المساعدات للمجتمع، وقد تواصلنا وناشدنا سابقا كل المانحين، لكن لا حياة لمن تنادي، إلا القليل من بعض الجهات، وقد ناشدنا سابقا مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، ولكن الأمر صعب وإغاثة المجتمعات المهمشة أصبح في سراديب النسيان".

‏  1 دقيقة للقراءة        7    كلمة
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.