الفُلكلور اليمني ودور المهمشين فيه

‏  5 دقائق للقراءة        813    كلمة

في كثير من الثقافات العالمية، كان للسود دور أساسي في تجسيد وتأصيل ثقافة تلك الشعوب، ومن أولئك الرواد الشاعر الغنائي الروسي بوشكين، الذي أحب فتاة روسية بيضاء وكافح من أجل الزواج بها، وتوفي ولم يحقق غايته، لكن قصائده لا يزال يغنيها أكبر نجوم الفن الروسي، وقصة غرامه لا تزال يُضرب بها المثل في العشق والكفاح، وأشهر مثل روسي متداول حتى الساعة قولهم: “لن تحب مثل بوشكين”.

 

ومثال آخر نجم الغناء والرقص الشهير الأمريكي مايكل جاكسون، الذي أجرى عدة عمليات تجميل لتغيير لون بشرته السوداء للبياض مُستسلماً لتلك الممارسات العنصرية التي كانت تواجهه ويواكب مُجتمع البيض، غنى ورقص بثورية وبطريقة مناهضة للعنصرية، وأسهمت رقصاته وأغانيه في تحرير السود والخروج من التهميش والتمييز إلى صناعة القرار، وما زال بوشكين ومايكل يعيشون في الذاكرة الروسية والأمريكية إلى اليوم.

 

في اليمن أيضا ما زالت الذاكرة الفنية والغنائية للمهمشين تحتفظ بكثير من الفنانين والذين إذا دُعوا لحفل زفاف، ينسون كل فقرهم ويشاركون أفراح الناس بقرع الدفوف والغناء والعزف بمختلف الآلات الموسيقية، غير مبالين بكل ما يُقال عنهم من كلام عنصري من المجتمع.

 

أًصوات سمراء في حفلات الزفاف
تسود في حفلات الزواج في الثقافات اليمنية، أصوات نساء سمراوات، وتُعد ركيزة أساسية في كل عرس، وجزءا مهما في أي حفل زواج، بل هن أساس مظاهر الإشهار في كل دار يمنية. عندما تسمع صوت الفنانة التي شاع صوتها من منطقة قَدَس غرب مدينة تعز، والفنانة سَعْدة العُدَينِية وفائزة عبد الله وإيمان القُباطِية وغيرهن كثير، تعرف أن ثمة حفل زفاف في تلك الديار التي تصدح بها أصواتهن بــ:
“حَريتونا يا ناديه، يا قبوةَ الكاذية”
وأغنية “رُشّوا عطور الكاذية، على العروس الغالية، وعوَّذوها بالنبي، وادعوا لها بالعافية”.
وتزف موكب العروس صوت تلك الفنانة السمراء “أحوطك بالله. والزين وابن علوان والعيدروس برأس جبل شمسان، أحوطك بالنبي وجميع الأولياء، عروستنا يا محليه، يا قبوة الكاذية”.

 

يحكي المواطن علي طاهر عن حياة الفنانة سعده العُدينية فيقول: “تلك الفنانة طافت بأغنيتها كل أرجاء مديرية العُدين ومحافظة إب، واشتهرت شهرة كبيرة، ومن أشهر ما غنّت: ألا دَلا دَلا يا مُنعنع وطويل، لا تهدِم الحَيد تحتك مُسلمين”، ويضيف: “اشتهرت منطقة سَخمول بمديرية وصاب بمحافظة ذمار وسط اليمن بالمزمار، وكان عازفو تلك الآلة من المهمشين يجوبون اليمن بالكامل”.

 

عزف الخُلول
تعتبر الخُلول آلة موسيقية قديمة وتُسمى “الشَّبيبة”، واشتهر في استخدامها الفنانون السُمر، وأبرزهم محمد الزُقيَلي في مدينة زَبيد التاريخية بمحافظة الحديدة، وقد مثّل اليمن في عدة مهرجانات دولية، واشتهر بها أيضا الفنان حسن غيلان وولده عازف الإيقاع محمد حسن غيلان الذي كان جزءا من الفرقة الموسيقية للفنان الشهير أيوب طارش عبسي طيلة مشواره الفني.

 

يقول المواطن توفيق حسن أغا: “تفنن المهمشون بالغناء والفن بوصفه موروثا اجتماعيا يختصون بأدائه، لكن للأسف سُرق هذا الفن، ولم يبق إلا القليل، ولولاهم، لاندثر ما تبقى منه. وتعود معظم الرقصات التهامية إلى أصولها في الوازعية وموزع”، ويتذكر أغا كلمات هذه الأغنية للفنانة نَعائِم الزُّبيرية
ألا ودان ودان
ألا ونوم ونوم
مِن عيني تبات شارد
إلا أحرقت قلبي
فكيف قلبك شِبات بارد
دنى لو الليل والا داناه
ألا يا أخضر اللون وقلي أيش مطلوبك
ألا تأكل وتشرب وحسك عند محبوبك

 

رقصات متنوعة ابتدعها المهمشون
للمهمشين رقصات خاصة يشاركهم فيها من يُطلق عليهم في المجتمع المحلي “المزاينة أو الريسة”، وهما فئتان اجتماعيتان موجودتان في كل مناطق اليمن يمتهنون الحلاقة، ويُنظر إليهم بدونية، وكذلك اشتهر المهمشون بأنواع من الرقصات، وأهمها رقصة الكُندو، الزفة، الطبعة، البِيحم.

 

ويُعدّ الرقص والغناء مهنة رئيسة للمهمشين، يكسبون من خلاله قوت يومهم منذ ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، وهم النواة الأساسية للموروث الفني اليمني منذ القدم. أبدعوا وتفننوا بذلك من دون غيرهم، ويعبّرون به عن سعادتهم عند قيامهم بالعزف في الأعراس ليُدخلوا الفرحة والسعادة للآخرين رغم وطأة الحزن العميق في نفوسهم، وهو حزن يتضح جليا في الكلمات المغناة ونغمات أدواتهم الموسيقية المتواضعة، ورقصاتهم المُعبرة عن رفض الواقع العنصري المؤلم.

 

يقول مدير مكتب الثقافة بمحافظة تعز عبد الخالق سيف: “نحن نعمل على إحياء هذا التراث الشعبي الجميل، وقد قُمنا في العام الماضي بطباعة ديوان لشاعر مبدع من المهمشين، وهو سليمان طنم وعنوانه (غنج طنم)، وقد عرض في معرض الكتاب، وقمنا بتكريم طفلين موهوبين من المهمشين الفنان كريم والفنان محمد في منتزه تعز؛ فالفن رسالة علينا جميعا الاهتمام بها والحفاظ عليها متجاوزين كل الحواجز العنصرية المقيتة”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

الصورة لـ المصور أنس الحاج، لصالح مكتب الثقافة في تعز من مهرجان شعبي بمناسبة ذكرى ثورة ٢٦ سبتمبر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.