الفشل الكلوي.. موت آخر لليمنيين

‏  6 دقائق للقراءة        1014    كلمة

يعيش اليمنيون في دوامة من الأزمات المتلاحقة، ومن ينجو من لهيب الحرب يفتك به المرض؛ إذ فقد كثير من مرضى الفشل الكلوي أرواحهم على سرير الموت نتيجة ضعف الخدمات الصحية. وقد وصلت نسبة الوفيات من مرضى الفشل الكلوي في المراكز الصحية بعموم المحافظات اليمنية إلى نحو 25% نتيجة نقص أو غياب الخدمات الصحية، بحسب تقرير اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

يتكبد مرضى الفشل الكلوي معاناة متعدّدة، من ضعف الرعاية الصحية، وغلاء الأدوية؛ إذ ارتفعت إلى 10 أضعاف سعرها الأصلي، إلى جانب قلة المراكز الصحية المتخصصة واضطرار بعضهم إلى السفر والبحث عنها لتلقي العلاج.

رحلة محفوفة بالمخاطر

يقطع هشام علي، أحد مرضى الفشل الكلوي بمدينة تعز، مسافات طويلة تستغرق أكثر من 6 ساعات من السفر للوصول إلى مركز الكلية الصناعية بمستشفى الثورة العام لإجراء جلسات غسيل كلى.

هشام من مديرية شَرْعَب الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثيين بريف تعز الشمالي، وبسبب الحصار الذي تفرضه الجماعة على المدينة بإغلاق منافذها الرئيسية، يضطر إلى قطع تلك المسافة للوصول إلى المركز الوحيد لغسيل الكلى بالمدينة.

أُصيب هشام بمرض الفشل الكلوي قبل أربعة أعوام جراء انفجار قذيفة بجواره تسببت له بفزع شديد، ويقول إنه يقضي حياته في الغربة داخل نطاق المدينة المحاصرة، ويعيش بعيدًا عن عائلته.

يستقر هشام وحيدا في المدينة بالقرب من مستشفى الثورة الذي يُجري فيه جلستي غسيل كلى كل أسبوع، وفي نهاية كل شهرين يسافر إلى قريته في شرعب لرؤية عائلته وأطفاله الأربعة ثم يعود قبل أن يجفّ عرقه.

يضيف في حديثه لصوت المهمشين: “لا أستطيع الذهاب والعودة في الأسبوع نفسه؛ لأن تكاليف السفر مرتفعة وظروفي المادية لا تسمح بذلك”، إضافةً إلى المتاعب التي يتعرض لها هشام في الطرق البديلة المتهالكة.

تقول اللجنة الدولية للصيب الأحمر إن مرضى الفشل الكلوي يواجهون تحديات في توفير تكلفة التنقل التي يصعب تأمينها، خصوصا أن بعضهم يسافر مئات الكيلومترات للوصول إلى المراكز الصحية للخضوع لجلسات غسيل، مما يعرضهم إلى تعب جسدي وإرهاق.

وتشير اللجنة في تقريرها إلى تحديات أخرى تتعلق بالوضع الأمني الذي يجعل رحلة علاج مرضى الفشل الكلوي من منازلهم إلى مراكز غسيل الكلى رحلة محفوفة بالمخاطر، لافتةً إلى أن بقاءهم على قيد الحياة يعتمد على قدرتهم على الوصول إلى المراكز.

مراكز مهددة بالتوقف

يعاني مرضى الفشل الكلوي من قلة المراكز المتخصصة في غسيل الكلى في البلاد، والموجودة منها تعمل في ظروف صعبة نتيجة انعدام الإمكانات والدعم المالي، وبعضها مهدّدة بالتوقف التام.

ووفقا للجنة الصليب الأحمر، يعمل في اليمن نحو 28 مركزا متخصصا بغسيل الكلى فقط، ومعظم تلك المراكز مهددة بالتوقف نتيجة انعدام الإمكانات وضعف أدائها، فيما هناك 3 مراكز تسببت الحرب بإغلاقها.

وذكرت اللجنة أن مرضى الفشل الكلوي بحاجة إلى علاج منتظم للبقاء على قيد الحياة، ويتضمن ذلك عادةً جلستين أسبوعيًا، فضلًا عن الأدوية الأساسية الأخرى للحفاظ على نظامهم المناعي.

وتشير اللجنة إلى أن واحدا من كل 4 مرضى يفارق الحياة بسبب ضعف الرعاية الصحية، موضحةً أن القتال في اليمن أدّى إلى تراجع المراكز الصحية في أدائها، بالإضافة إلى صعوبة الحصول على الأدوية والأجهزة اللازمة.

وفي هذا الصعيد، يقول مدير مركز الكلية الصناعية بمستشفى الثورة بتعز، الدكتور فهمي الحناني، إن المركز مهدّد بالتوقف والإغلاق بسبب نفاد مواد غسيل الكلى، مشيرًا إلى أن المواد المتوفرة حاليًا تغطي ثلاثة أشهر قادمة فقط، اعتبارًا من نهاية ديسمبر الحالي.

ويضيف في حديثه لصوت المهمشين أن المركز يعاني من شحة المياه والوقود (مادة الديزل)، وهما شيئان أساسيان لاستمرار عمل المركز، لافتًا إلى أنه يستهلك يوميًا 33 ألف لتر من المياه وأكثر من 250 لتر ديزل.

المركز الوحيد

في محافظة تعز ذات الكثافة السكانية الأعلى على مستوى اليمن، يوجد مركز واحد فقط لغسيل الكلى، وقد أصبح مهددًا بالتوقف عن تقديم خدماته للمرضى، كما ذكر الحناني. ويستقبل ذلك المركز عددًا من المرضى يفوق قدرته الاستيعابية من داخل المحافظة والمحافظات المجاورة أيضًا، ما تسبب في عبء مضاعف للطاقم الطبي العامل فيه.

وبحسب رئيس المركز الحناني، بلغت عدد الحالات المسجلة لديهم 220 حالة مصابة بالفشل الكلوي، مشيرًا إلى أن الرقم في تزايد مستمر بمعدّل حالتين إلى ثلاث يوميًا فوق العدد المعتاد.

ويؤكد الحناني لصوت المهمشين أن المركز يستقبل يوميًا من 70 إلى 77 مريضا بالفشل الكلوي لإجراء جلسات غسيل الكلى، ويُوزّعون إلى فترتين صباحية ومسائية.

ويقول الحناني إنهم يعانون من زيادة توافد المرضى من داخل المحافظة وخارجها، خصوصًا أن المركز يقدم خدماته الطبية مجانًا، وذلك يتسبب بضغط يفوق قدرات المركز الذي يتكون من غرفتين لا تتجاوز مساحته الإجمالية 20 مترًا مربعا. ويتابع: “أجهزة المركز تعمل منذ 10 سنوات، وقد انتهت فترة ضمانها، وأصبحت غير قادرة على العمل وبحاجة للإحلال بأجهزة أخرى جديدة، لكن لم يوجد من يوفرها”.

ويؤكد الحناني أن المركز معرّض للتوقف على الرغم من مطالبته للجهات المعنية الحكومية ومنظمة الصحة العالمية ومركز الملك سلمان وجميع المنظمات الدولية، ولكن ليس هناك استجابة.

تحذيرات

مؤخرًا، أطلقت وزارة الصحة في حكومة جماعة الحوثيين تحذيرات من وفاة ما يقارب 5 آلاف من مرضى الفشل الكلوي جراء نفاد الأدوية والمستلزمات الخاصة بغسيل الكلى.

وتقول الوزارة في بيان نشرته وكالة “سبأ” التابعة للجماعة إن 5 آلاف من المرضى مهدّدون بالموت الحتمي نتيجة نفاد الأدوية والمحاليل الطبية في مخازنها نهاية العام الجاري 2022. وتؤكّد أنه لا يوجد حاليًا مخزون كافٍ من أدوية وتحاليل ومواد ومستلزمات طبية للغسيل الكلوي، مشيرةً إلى خلو مخزون العام المقبل 2023 من الأدوية.

وتوضح الوزارة أن عشرات الأجهزة الطبية الخاصة بغسيل الكلى تعطّلت في معظم المراكز الصحية بمختلف المحافظات، الأمر الذي يؤكد من احتمالية توقف العمل في تلك المراكز. وتناشد وزارة الصحة في بيانها المنظمات الدولية والإنسانية بسرعة توفير أدوية ومستلزمات لمراكز الفشل الكلوي الموجودة بمناطق سيطرتها شمال البلاد.

 

( أنتجت هذه المادة بدعم من منظمة “lnternews” ضمن مشروع “Rooted in trust” في اليمن)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.