العيد في عشش المهمشين

أفراح يتيمة.. حين يصنع المهمش عيدَه

‏  6 دقائق للقراءة        1104    كلمة

تمر الأعياد تباعًا، وما زالت بسمات المهمشين تصنع أفراحها. من دون براءات اختراعٍ يبتكر المهمش فرحةً من العدم. أسرة سعيد العقل، من سكان مخيم الكدحة جنوب غرب تعز، تستقبل العيد من دون أبسط مقومات العيش. يقول سعيد: “هذا هو الحال طوال السنة ولا جديد، نحن نبحث عن لقمة العيش طوال النهار لنحصد الفتات، ما بالكم بكسوة العيد وحلواه”.

 

زوجة سعيد المنهمكة في جلب الماء بأوعيةٍ على رأسها، وجلب الحطب من بقايا الأشجار، ثم طباخة ما تيسر، تنظر إلى مراسلتنا بابتسامة صافية لتهنئها بالعيد السعيد وتترنم أثناء عملها بترانيم عيدية مكلِّلةً أبنائها الثلاثة بتيجان صنعتها من الورد بيديها، رغم أن أبناء سعيد لم يحصلوا على كسوةٍ تُفرحهم مثل بقية الأطفال، يظهرون بمظهر مرتب، ويلعبون فرحين طوال النهار، لتحتضنهم الخيمة ليلًا فينامون فيها بعمق.

مميزات مؤقتة في العيد
رغم تكرار الخبز الحاف وجبة رئيسية لأسرة وفاء (مهمشة ثلاثينية من محافظة إب)، ادخرت وفاء أجرها الذي حصدته طوال شهر رمضان، بوصفها عاملة نظافة في مستشفى الثورة، وقررت أن تشتري بعد خمس سنوات أسطوانة غاز لتصنع كعك العيد بعد حرمان أخويها الصغيرين.

تقول وفاء: “منذ وفاة والدي ووالدي غرقًا في السيول التي باغتت خيمتنا فجأة في السائلة، وأنا أستخدم الحطب أو أعود لأخوتي ببقايا طعامي من العمل، هذا العام قررتُ كسر الروتين لأصنع طعامًا لذيذًا باستعمال الغاز، مع شراء ملابس جديدة لهما مما تيسر”.

 

معتز الأخ الأصغر لوفاء (12 عاما) أتى مهرولًا ليشاركنا النقاش بعد ملاحظته لوجودنا فقال: “رغم أني أسود البشرة وأعيش في خيمة متنقلة بناءً على الظروف البيئية، لن أترك المدرسة أبدًا، وسأكمل تعليمي لأبني بيتًا من حجر مثل بقية الناس، قريبًا سأغدو موظفًا وسأعول أختي الكبيرة وأخي الصغير”.

 

يمثل العيد لمعتز فرصةً للبسمة والضحك وتناول أطعمة مميزة، وفرصة للإحساس بتلاشي بعض الفوارق الاجتماعية بينه وبين بقية سكان المنطقة، إذ إنهم يقبلونه للعب معهم حين يلحظون أنه يلبس ملابس جديدة وأنيقة عكس ما هو حاصل طوال العام.

 

يقول معتز: “كنتُ سعيدا جدا حين ناداني أحد أطفال القبائل للعب معه، في حين أنه كان يرفض وجودي بينهم، وحينما سألته عن تغيّره، أجابني بأنه عيد وأنا أنيق ونظيف، وشارك البقية بعبارة واحدة: العيد عيد الجميع”.

 

وحينما سألنا وفاء عن سر عدم تأنق أخويها معتز وعز الدين بقية أيام السنة أجابت بقولها: “ظروفنا صعبة للغاية، وأنا لا أتمكن من توفير لقمة العيش ومصروف المدرسة إلا بصعوبة، وهذا العام وفّرت كسوة لهم بعد ادخار وتقشف كبير، ومع ذلك أحرص جاهدة على الالتزام بمظهر اجتماعي مقبول عكس كثير من بقية المهمشين أمثالنا”.

 

عيدٌ بلا زوار
يعيش قرابة 3 آلاف مهمش في الأنفاق وتحت الجسور، وفي أفضل الأحوال في مخيمات النازحين أو اللاجئين، وقد شرّدت الحرب كثيرًا منهم من مساكنهم، فضلًا عن طرد السكان المحليين لهم من مناطق عديدة، حفاظا على المظهر العام لمناطقهم بعيدًا عن صناديق وحاويات وخيام المهمشين التي يتخذونها منازل لتأويهم وأطفالهم.

 

وبناءً على هذه المعطيات، تفرقت أسر المهمشين بين عدة محافظات، فأسرة عبد الباقي (مهمش يسكن محافظة صنعاء) قد نزحت من محافظة الحديدة بعد قصف مطار الحديدة مباشرةً، وبقية أسرته تفرقت بين محافظتي إب وذمار وتعز.

 

يقول عبد الباقي: “قبل 2015 تعوّدنا أن نقضي العيد في الحديدة مع بقية الأسرة، ونتزاور فيما بيننا ونسهر معا، لكن منذ سبع سنوات لم ألتقِ بأيٍّ من إخواني أو أبناء عمومتي، ولم نتواصل حتى هاتفيًا لعدم توفر وسائل للاتصال معهم”.

 

يحاول عبد الباقي التعرف على مهمشين جدد في صنعاء، وصناعة صداقاتٍ تنسيه مع أطفاله آلام البعد والفراق عن عائلته، وهنا يشق طريقه عامل نظافة لدى البلدية مع زوجته، وتأمل زوجة عبد الباقي أن أهلها وأهل زوجها بخير، وتتمنى لهم عيدًا هانئًا عبر “صوت المهمشين”.

 

أبطال مجهولون
بينما يقضي معظم أفراد المجتمع العيد برفقة أسرهم في منازلهم في عطلة رسمية، يعمل المهمشون في دوامٍ لا تُعفيهم منه أية أعياد، فسلمان عامل النظافة في مدينة الحوبان بتعز يداوم نهار العيد لينظف بقايا الألعاب والحلويات والأكياس البلاستيكية لتزدان المدينة أكثر وتحافظ على رونقها.

 

يقول سلمان: “مهنتنا مستمرة، ولا بد من الالتزام بأوقات العمل، وخصوصا في يوم العيد تزداد القمامة ومخلفات احتفالات المجتمع، ولهذا السبب أقضي نهار العيد في العمل على تنظيف الشوارع”.

 

رائد وهو عسكري مهمش مرور في محافظة الحديدة يقضي أيام العيد واقفًا لتنظيم حركة السيارات وتلافي حوادث المرور التي تعكر صفو الناس في عيدي الفطر والأضحى المبارك وكل العطل الرسمية الأخرى.

 

يقول رائد: “تزداد حركة السيارات في العيد نظرًا للتزاور بين أفراد العائلات، وهذا الأمر يسبب ازدحاما مروريا وحوادث لا نسلم منها، كذلك يجب تشديد اليقظة الأمنية في هذه المناسبات، لهذه الأسباب أقضي عيدي في العمل بعيدًا عن دفء أسرتي سوى سويعات معدودات مخصصة لفترة راحتي”.

 

إبراهيم مهمش يعمل حارسًا لأحد مباني مكتب اتصالات ومواصلات في عدن لم يستمتع بإجازته هو الآخر، وفي يقظة يسهر خوفًا من سرقة أية معدات مملوكة لجهة عامة أو خاصة، فيؤجل فرحة العيد وزيارة أقاربه حتى سابع يوم حينما تحضر البدائل.

 

سلمان ورائد وإبراهيم مجرد نماذج مقتضبة، وهناك كثير من الجنود المجهولين في فترة العيد ممن فضلوا المصالح العامة على مصالحهم الشخصية، وبكل تفاني بذلوا أوقاتهم بكرم للقيام بواجباتهم على أكمل وجه.

 

في سياقٍ آخر، يشكل أطفال المهمشين تجمعات مميزة للعب الاستغماية والمطاردة وبناء بيوت من الطين في نهار العيد، وفي الأثناء تتجمع الأمهات معا لتبادل الطرائف والنوادر، فتعلو أصوات الضحكات من الخيام لتداعب ضحكات الأطفال خارج الخيام، خليط الأصوات يشكل مزيجًا جميلًا، وتخبر السامع المار من أي تجمع للمهمشين بأنهم يحتفلون بالعيد على طريقتهم الخاصة.

……………………………………

الصور للزميل وهب الدين العواضي – صوت المهمشين 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.