الشَّعْر بوصفه شكلا من أشكال التمييز العنصري

‏  6 دقائق للقراءة        1042    كلمة

خصّصت الجمعية العامة للأمم المتحدة 21 من شهر مارس من كل عام، يوما عالميًا يتضامن فيه العالم لمكافحة العنصرية والتمييز العنصري، وما تزال اليوم فئة المهمشين من ذوي البشرة السمراء باليمن، تواجه أشد وأعنف التمييز العنصري، في اليوم الدولي للقضاء على التمييز العنصري.

وأشكال التمييز متنوّعة، فمنها ما يتأسس على لون البشرة وطبيعة الأصل والمنشأ، وهي ذاتها التي يتعرض إزاءها المهشمين للتمييز، لكن الأمر لم يقف هنا فقط بل تعدت الأشكال وقد تشعرك عزيزي القارئ في غرابة أمرها، إذ هناك أصناف من المجتمع اليمني من يمارس التمييز بحق المهمشين لشكل شَعرهم “المُجعّد” الذي يعتبر النوع السائد لدى أبناء هذه الفئة.

تمييزٌ مختلف

حسام سعيد صالح (17 عامًا) من أبناء فئة المهمشين في مدينة تعز، كان واحدًا من بين كثير من أفراد هذه الفئة التي يمارس عليها المجتمع التمييز والعنصرية بسبب شعره المُجعد، ويسخر منه زملاؤه الطلاب في المدرسة بسبب شعره المُجعد ويُسمى محليًا بالشعر “الكَزِّز”.

يقول حسام لصوت المهمشين إنه يشعر أحيانًا بالخجل الشديد حينما يطلقون عليه مصطلح “خادم”، وهو مصطلح محلي يطلق على المهمشين، وحين يُميّز من بين أقرانه الشباب بأنه مهمش بسبب شعره المُجعد، على الرغم من أن لون بشرته ليس داكن السواد، كسائر بقية أبناء الفئة.

يعزو البعض سبب السخرية من الشعر المُجعد إلى أن سببه عدم نظافة الرأس والشعر وعدم الاهتمام به من خلال استعمال المساحيق والمستحضرات التي قد تؤدي أو تساعد في إضفاء النعومة والسلاسة المُنسابة على الشعر وإلى أن المهمشين مقصرون في العناية بأناقة شكلهم ونظافة أجسادهم، لكن حسام يقول إنه يولي شعره اهتماما وعنايةً فائقة لأنها جزء من مظهره، نافيًا بأن التجعُد نتيجة للإهمال.

ويتابع في حديثه لصوت المهمشين: “عائلتي اهتمت بنظافتي وعملت على العناية بشعري منذ الصغر، وأنا أفعل هكذا الآن، ولا أخرج من دون أن أغسل شعري وأمشطه وأضع عليه الدهانات، لكن شعري هكذا منذ الصغر مُجعد وعائلتي وأبناء جلدتي أيضًا، هكذا خلقنا من الله”.

عنصرية الشعر

أصبح الشعر المُجعد لدى المهمشين، شكل من أشكال التمييز والعنصرية المحفوفة بالكراهية والسخرية الذي يمارسه المجتمع ضد بعضه، ولم يتوقف الأمر على أبناء فئة المهمشين فقط، بل طال أفرادا خارج الفئة، إذ هناك من لديهم شعر مُجعد، فيُصنّف على أنه مهمش، على الرغم من اختلاف لون بشرته عن المهمشين، كالشاب موسى عبد القادر.

يتعرض العشريني موسى، للتنمر والسخرية كثيرًا ممن حوله ومن زملائه، فيطلقون عليه بأن شعره شعر “خادم”، كما يقول، وعلى الرغم من عدم التشكيك بأصوله ومنشئه ولون بشرته البيضاء، يتعرض للتمييز نظرًا لشعره المُجعد، هكذا تعددت واختلفت أشكال التمييز العنصري في أوساط المجتمع اليمني.

يذكر موسى، في حديثه لصوت المهمشين، أنه يعاني كثيرًا وأنه يتعرض للتنمر والسخرية، بسبب شعره المُجعد الذي اختير له بإرادة إلهية، لكن باعتبار أنه أصبح نوعًا من أنواع التسريحات والتصفيفات العالمية الذي يفضلها البعض، يضع المجتمع هذا النوع من الشعر في خانة التمييز والعنصرية، “أصبحت أعتمد مؤخرًا على مساحيق الشعر التي تعمل على تنعيمه وسلاسته كنوع مسحوق (الفَرد)؛ لكي أتجنب التمييز والسخرية والتنمر”، يضيف موسى.

التمييز العنصري الذي يمارس على المهمشين بسبب شكل الشعر وطبيعته، لم يكن وليدًا وحديثًا على ما يبدو، بل على مر العصور كان المجتمع يطلق بعض المقولات والأمثال الشعبية العنصرية، ومن ذلك قولهم: “مثل اللبان صابط بشعر خادم”، أي مثل العلك الملتصق بشعر المهمش، وقولهم: “شعر الأخدام مثل سلك الصِبّان”، وما زالت هذه الأمثال تتداول في أوساط المجتمع حتى الآن.

انتهاكًا للحقوق

على مر العصور التاريخية والأزمان، ما يزال التمييز العنصري يدق ناقوسه على المهمشين في اليمن، وينخر في حياة أفراد هذه الفئة؛ ليضحوا من الفئات العرقية الأشد في فقرًا وجهلاً، والأضعف تعليمًا والأقل وعيًا وأدنى المراتب الطبقية في المجتمع، حسبما تنصفها كثير من الدراسات والتقارير الحقوقية، ويمارس عليهم الإهمال والتهميش على حدٍ سواء.

وعلى الرغم من توقيع اليمن على اتفاقية الجمعية العامة للأمم المتحدة التي أقرتها عام 1979، الخاصة بالقضاء على التمييز العنصري، والتضامن مع الدول التي تكافح للقضاء عليها ودعمها، لم تعمل السلطات على مكافحة التمييز ووضع قوانين وإجراءات وتشريعات تحد من ممارسته على أبناء الفئة، فضلا عن دورها في التمييز وتهميش هذه الفئة، كما يرى الناشط الحقوقي، صلاح أحمد غالب.

ويقول لصوت المهمشين: “إن التمييز الذي يمارس ضد المهمشين له أوجه متعددة من المجتمع والسلطات، ويمتد لعصور طويلة، وفي الأساس لا يوجد أي مبرر لهذا الانتهاك الجماعي الذي يُمارس بصورة يومية، ما أنتج واقع محبطا ومؤلما في الوقت ذاته بحق أفراد هذه الفئة وجعلهم يعيشون في فقر وتهميش وإهمال حتى على المستوى الحكومي”.

ويشير صلاح في حديثه إلى أن هناك حاجة ضرورية لإعداد برامج عمل حقوقية واجتماعية وسياسية تنهي هذه المأساة وتنتصر لكرامة الإنسان، بتضافر كل الجهود المحلية والدولية، ويجب على المنظمات الدولية الإنسانية العاملة في اليمن أن تكرس برامجها في مكافحة التمييز العنصري والطبقي الذي يعاني منه المهمشون وإعادة الاعتبار لهذه الفئة وحماية حقوقها.

انعكاسات فادحة

أحدث التمييز العنصري انعكاسات سلبية فادحة أسدلت بظلالها على حياة المهمشين في البلاد وجعلت من واقعهم كابوسًا، يحيطه كثير من البؤس والشقاء والعناء، إذ يعيشون في تجمعات خاصة بعزلة عن المجتمع، واتخذوا من الخيام والصفيح المبنية من العشش، منازلًا يسكنون إليها، لا تقيهم حرارة الصيف وبرودة الشتاء.

ذلك التمييز أيضًا جعل المهمشين يشكلون أشد الفئات فقرًا في اليمن، حيث من النادر العثور على أحدهم في وظيفة أخرى خارج أعمال النظافة التي تأنف باقي الفئات الاجتماعية أوساط المجتمع من الاشتغال بها، بحسب ما ورد في دراسة لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسيف”.

وذكرت الدراسة المسحية، لمجتمع المهمشين، شملت 9،200 أسرة أي 51،406 شخصًا، أن هناك ارتفاع مهول في مستويات الفقر، مع انخفاض مستويات الإلمام بالقراءة والكتابة والالتحاق بالمدارس، إضافةً إلى أن الظروف المعيشية للأسرة سيئة للغاية، وأنها تعاني من ضعف الحصول على الخدمات الاجتماعية الأساسية.

وبينت الدراسة أن واحدًا فقط من كل خمسة أشخاص ممن بلغت أعمارهم 15 عامًا فأكثر يستطيعون القراءة أو الكتابة، ولا يتم تسجيل سوى طفلين من كل أربعة أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أعوام و17 عامًا في المدرسة، كما أن تسجيل المواليد منخفض، حيث يبلغ 9% فقط، بحسب الدراسة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.