أم محمد.. مواطنة يمنية تصارع مشقة الحياة بالكفاح والإصرار

وفاء سيود      

‏  4 دقائق للقراءة        626    كلمة

في منطقة “الليبي” بمحافظة لحج جنوب غرب اليمن تستيقظ أم محمد، كل صباح قبل شروق الشمس، وبخُطى متسارعة تنجز أعمالها اليومية المنزلية بسرعة كبيرة، حتى تتمكن من الخروج باكرا للذهاب إلى عملها في سجن المنصورة في العاصمة عدن. ويُعدّ من أهم معالم المنصورة المعمارية السجن الذي شيّدته حكومة مستعمرة عدن ما بين 1962-1963م، وهو سجن سياسي بناه الإنجليز عند بدء الكفاح المسلح لاعتقال مناضلي جيش التحرير وفدائيي الثورة المسلحة، وحاليا هو السجن المركزي.

تقول أم محمد الخمسينية، وهي تنظر للأرض وتحمل حقيبتها في يدها اليمنى وعيناها ممتلئتان بالدموع والعبرة تخنقها: “أستيقظ كل صباح، وأُحضّر ما تيسر من الطعام لأسرتي المكونة من اثنين وعشرين فردا، ونحن في الأساس من سُكان لحج، لكن الموطن الأصلي هو محافظة الحديدة، في غرب اليمن”.

وتضيف: “أقوم بتحضير الشاي وتجهيز الخبز بالموقد اليدوي التقليدي، ويعودُ ذلك لعدم مقدرتنا على شراء أنبوبة غاز لطهي الطعام بها، ولسنا وحدنا مَن يقوم بأعداد الطعام بهذه الطريقة التقليدية، وتكون هذه الوجبة الرئيسية لأسرتي. أصنعها كل صباح، وأحفظها بالكيس، وتُدعى الخمير اللحْجي، وتتكون من دقيق أبيض وبيكنج باودر مع إضافة ماء فاتر، ثم نقوم بخلط المكونات معا، وبعد خبزه أحفظه بكيس مصنوع من العزف، وهي سلة تُصنع من أوراق شجر النخل بعدها أقوم بتعليقه وأذهب لعملي”.

وتقول بحسرة: “لا أملك شيئا أطهوه لأسرتي غير هذا، فنحن لا نستطيع شراء غير كيس دقيق أبيض وجالون زيت حجم 5 لتر، وكذلك كيس شاي صغير، فلكل فرد منا كأسان شاي، كأس في الصباح للإفطار، وكأس لوجبة العشاء، ولكل فرد قُرص “روتي” لا غير. نقوم بشراء الروتي، وندفع الحساب نهاية كل شهر”.

وعن الغداء تقول: “هي ليست وجبة رئيسية لعائلتي، فزوجي معاق ولا يستطيع العمل، وأكبر أولادي يبلغ من العمر 13 عاما ويعاني من مرض التكسُّرات، ولدي ثلاث فتيات كنّ متزوجات ولهنّ منازل خاصة”.

وبينما هي تحكي اتكأت على جدار منزلها وأخذت ترتشف قليلا من ماء غير بارد، وذلك بسبب تعطّل ثلاجة تبريد مياه الشرب، وعدم مقدرتها على شراء الماء المثلج لتروي عطش أسرتها.

وتواصل الحديث وعلى صوتها الخافت نبرة من الحزن “أصغر بناتي تبلغ من العمر 20 عاما تطلقت بسبب تعرضها للعنف الجسدي واللفظي، زوج ابنتي مصاب بحالة نفسية، مما جعلها تترك المنزل الكائن بإحدى حارات محافظة عدن مع أطفالها الأربعة، لديها طفلتان تؤام وولدان أكبرهم 7 سنوات ويليه ست سنوات، أما الفتاتان فأربع سنوات”.

رحلة شاقة

“كل يوم أمضي مسرعة في رحلتي المتعبة، فأنا مسؤولة عن اثنين وعشرين فردا. تبدأ رحلتي الشاقة منذ فجر كل يوم عدا الإجازات الرسمية وحتى الساعة الثامنة مساء”، تقول أم محمد، وتضيف: “أخرج من منزلي في الساعة السابعة صباحا، وأذهب لصاحب البقالة لأستعير منه قيمة المواصلات، ثم أتجه صوب مديرية المنصورة – تُعد خامس مديرية من أصل ثمان مديريات بالمحافظة عدن- وأصل عملي في الثامنة إلا ربع، أغيّر ملابسي وأبدا بممارسة عملي المتعب اليومي، فأنا أعمل سجّانة ومساعدة طباخ في نفس الوقت”.

وتقول: “أعمل أعمالا إضافية، وأقدم خدمات لسجناء مقابل مبلغ مالي بسيط يعطيني إياه السجناء نهاية كل شهر، يصل إلى خمسة عشر ألف ريال يمني. أقوم بغسل ملابسهم وأمسح الأرض بالماء والصابون، وأحضّر لهم الشاي، وأذهب لشراء بعض متطلباتهم”.

تعد قصة أم محمد واحدة من مئات القصص المؤلمة، فالمواطن يعاني في ظل استمرار الحرب التي اندلعت في عام 2015م والتي ما زالت مستمرة حتى يومنا هذا، وما زال المواطن يعاني ويتجرع مرارة العيش والبحث عن لقمة يسد بها رمق أطفاله، ما زال هناك كثير من أم محمد في اليمن شمالا وجنوبا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.