أبرز الشائعات حول لقاحات كورونا

‏  7 دقائق للقراءة        1325    كلمة

في صبيحة التاسع من نوفمبر 2020، قرّرت راوية التوجّه إلى المستشفى الجمهوري بتعز للحصول على لقاح جونسون، لكنها غيّرت وجهتها أمام بوابة المستشفى، وذهبت لزيارة صديقتها التي تسكن في القرب.

راوية محسن (30 عامًا) من فئة المهمشين بمحافظة تعز تقول لمراسلتنا: “رأيتُ كثيرا من الجنائز التي اكتظت بها مقبرة السعيد. كان الأمر مرعبًا، وكأنها نهاية الحياة بالنسبة لي وللمحيطين بي، فسجلتُ إلكترونيًا مع عائلتي للحصول على اللقاح. وصلتني رسالة بعد فترة تتجاوز الشهرين بأن دوري في أخذ اللقاح قد حان، ووجهتني الرسالة إلى مركز التطعيم باللقاح. كنتُ سعيدة جدا، فخرجتُ من المنزل فورًا نحو المستشفى الجمهوري”.

عبّرت راوية عن تفاؤلها في وسيلة المواصلات لعابرةٍ ما، فتفاجأت بكمية التحذيرات السلبية التي سمعتها من الركاب، وقد نصحوها بإنقاذ نفسها من الموت ورفض اللقاح، وقد أكّدت لها سيدة مسنّة جوارها بأن قريبا لها توفي بجلطة بعد أن لقّحوه ضد الجائحة.

تضيف راوية: “اهتزّت ثقتي على الفور. خفتُ أن أموت بسبب اللقاح، وأنا ما زلتُ شابة، عشتُ ربع ساعة من الحيرة والقلق ومحاولة تكذيب ما سمعت، وما زلتُ مستمرة في طريقي إلى المشفى، لكني في بوابته عدتُ خطوتين إلى الوراء وألغيتُ فكرة اللقاح الذي تمنيته وانتظرته لأشهر”.

شائعات غريبة

قبلت حكومة صنعاء، تحت الضغط الدولي، 10 آلاف جرعة من لقاح “استرازيكا” خصّصتها منظمة الصحة العالمية في إبريل 2021 لصالح الشمال، وكانت مستقطعة من حصة الجنوب اليمني، لكن اشتراط الحوثيين توزيع هذه الدفعة من دون إشراف من المنظمة حال دون تسليمها، وصرّح حينها ممثل منظمة الصحة العالمية في اليمن أدهم عبد المنعم بمداخلة له في ندوة إلكترونية مع أطباء يمنيين في مساء 23 أبريل 2021 أن حكومة صنعاء تراجعت لتطلب بعد ذلك ألف جرعة فقط لـ500 طبيب، شريطة تطعيمهم تحت إشرافهم الخاص، وقد انتهت صلاحية اللقاح قبل توزيعه كاملًا، ويعود ذلك إلى تعامل معظم مواطني شمال اليمن، وبينهم أطباء، مع الفيروس بوصفه مؤامرة أمريكية تستهدف شعوبا بعينها، لتنتشر بعد ذلك شائعات أخرى غريبة، منها ما يرى أن اللقاح عبارة عن شريحة مغناطيسية تُزرع في جسد المواطنين، ليكونوا بسببها عُرضةً لقصف الطيران، ومنها أن اللقاح يسبب الموت المفاجئ بعد عامين تقريبا من أخذ اللقاح، ومنها أن اللقاح يسبب العقم مدى الحياة والزهايمر المبكر والجلطات والضعف الجنسي وغيرها من الأمراض.

وعلى إثر ذلك انتشرت تصريحات مزيّفة على لسان رئيس منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم تقول إن الأشخاص الذين تلقّوا الجرعة الثالثة من لقاح فايزر معرضون للإصابة بالعجز والتحوّل الجنسي. وعلى الرغم من إثبات زيف التصريح، أسقط عدد كبير من المواطنين اليمنيين الأثر نفسه على اللقاحين الآخرين: جونسون واسترازيكا، وتناقلوا الإشاعة لتصل إلى أكثرية الناس، لا سيما في المجتمعات التي تسود فيها نسبة الأمية مثل مجتمع “ذوي البشرة السوداء” وهم فئة المهمشين في اليمن، وتشكل هذه الفئة قرابة 3.5 مليون نسمة، وفقا لآخر إحصاءات الاتحاد الوطني للمهمشين والفئات الأشد فقرًا في اليمن.

“أؤكد من موقعي وبوصفي طبيبة أقسمَت اليمين أن هذه الشائعات خاطئة ولا صحة لها”

 

تقول الطبيبة بثينة عبد الله من محافظة ذمار: “إن الأفكار الخاطئة والمعلومات المضللة التي تنتشر بين الناس حول اللقاحات لها تأثير مميت قد ينافس أي وباء، وربما ارتفعت أعداد ضحاياها عن ضحايا الأوبئة، وأؤكد من موقعي وبوصفي طبيبة أقسمَت اليمين بأن هذه الشائعات خاطئة ولا صحة لها”، وتكمل: “يواجه العالم جائحة الكوفيد بالوعي والعِلم مثل دول أوروبا وأميركا التي عصفت بها الجائحة، فكانت من أكثر الدول تضررا”.

واعترفت الدكتورة بثينة بأن القطاع الصحي في بلادنا لم يؤدِّ واجبه كما ينبغي، وأن دوره كان ضعيفا من جهة حملات التوعية والجاهزية، لا سيما في بداية الجائحة، وتستدرك: “لكنه أصبح أكثر تنظيما فيما بعد، بعد أن دفع الثمن من سمعته ومكانته وثقة المجتمع اليمني به، مع الأسف”.

وتتحدث الوسيطة المجتمعية سعود عبده غانم، وهي قابلة من فئة المهمشين، بأنها شاركت في تنفيذ حملات توعية عديدة بين أوساط المهمشين، ولحظت سعود انتشار كثيرٍ من الشائعات التي تدور في فلك اللقاحات ضد الجائحة. تضيف سعود: “حاولتُ مرارًا تفنيد هذه الشائعات وإخبار مجتمعي بأنها مجرد تكهّنات لا علاقة لها بالحقيقة، وهناك مَن اقتنع بحُججي ورأى أن اللقاح لصالحه وليس ضده”. وتشير إلى أن مضاعفات اللقاحات بشكل عام جعلت المجتمع المهمش يميل إلى تصديق الشائعات، لكن الحملات التوعوية أسهمت كثيرا في طمأنتهم وإثراء وعيهم تجاه اللقاحات التي تحارب الأمراض المنتشرة بين أوساطهم.

جعلت الشائعات حول اللقاحات الناس يعيشون في أجواء سوداوية من الحذر والانفصام والصراع الداخلي والعزلة الاجتماعية ضد مَن يؤمنون بأهمية اللقاحات ضد فيروس كوفيد ١٩.

يصف الأستاذ المساعد في قسم العلاج النفسي بكلية الآداب في جامعة تعز د. سامي الصلوي طُرق تعاطي المجتمع اليمني مع هذه الشائعات بالمتناقضة، فمنهم من تعامل معها بلامبالاة وأريحية، لا سيما في بدايات ونهايات الجائحة، ومنهم من أخذها بجدية، بل أسهم جاهدًا في انتشارها، وقلة قليلة قابلتها بالاستنكار والرفض، وهي الفئة المثقفة والواعية. ويؤكد الصلوي أن هذه الشائعات قد انتشرت مع البلبلة الناجمة عن تضارب المعلومات في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، لتؤثر بشكل كبير على الفئات الأقل وعيًا بالمرض، وهي الفئات الأشد فقرا في المجتمع.

وأضاف أن الإشاعات المثارة حول اللقاحات قد أثرت على نفسية الفرد والمجتمع، وجعلتهم يعيشون أجواءً سوداوية من الحذر والانفصام والصراع الداخلي والعزلة الاجتماعية ضد مَن يؤمنون بأهمية اللقاحات ضد فيروس كوفيد ١٩.

يقول الدكتور سامي الصلوي: “تعاونت مكاتب الصحة والشؤون الاجتماعية مع المنظمات التي عملت في التوعية، وأهمها منظمة (كير) لتتلاشى هذه الشائعات تدريجيا، ويخف حدّة تنمر المجتمع اليمني على الملقَّحين أو الساعين وراء اللقاحات، والعاملين في مراكز توزيع اللقاحات والمصابين أو المشتبهين بالإصابة، فاكتسب المجتمع اليمني والقطاع الصحي وعيا لا بأس به، وافتتحت مراكز للعزل الصحي في عدة مستشفيات بكل مدينة”.

ويبينار يناقش الشائعات المثارة حول اللقاحات بين المهمشين

نظّم موقع “صوت المهمشين” الإخباري مساء الاثنين 25 ديسمبر ندوة إلكترونية بعنوان “اللقاحات والأفكار المغلوطة حولها”، ضمن مشروع ” Rooted in trust Yemen” الذي ترعاه منظمة “Internews” في اليمن.

قامت الندوة باستضافة عدد من الشخصيات ذات العلاقة بموضوعها، ومنهم الطبيب راكان العزعزي، ونائب مدير مكتب الإعلام والتثقيف الصحي في مكتب الصحة بمحافظة تعز الأستاذ تيسير السامعي، إضافة إلى رئيسة مؤسسة كفاية الناشطة المجتمعية الأستاذة مسك المقرمي. وقد حضر الندوة عشرات المهتمين بمعرفة حقيقة الإشاعات من فئة المهمشين ومن المجتمع اليمني بشكل عام.

وهدفت الندوة إلى التعرف على دور الحكومة اليمنية والمنظمات الدولية في نشر الثقافة الصحية بين المهمشين والأسر اليمنية، ودحض الشائعات التي تدور حول اللقاحات من أجل حماية الأطفال من الأمراض المعدية، بحسب القائمين على النشاط.

قدّم المحور الأول الدكتور راكان العزعزي، وهو طبيب عام من فئة المهمشين، فتحدّث عن أهمية اللقاحات في حماية الأطفال من الإصابة بأمراض خطيرة قد تودي بحياتهم. كما قدمت الورقة الثانية أ. مسك المقرمي وهي ناشطة حقوقية من فئة المهمشين. وسردت المقرمي أسباب عزوف المهمشين عن التلقيح والعلاج، إضافة إلى أوجه التقصير في نشر ثقافة التلقيح بين المهمشين. أما الأستاذ تيسير السامعي، وهو نائب مدير مكتب الإعلام والتثقيف الصحي في مكتب الصحة في محافظة تعز، فقد تحدث عن دور الحكومة والقطاع الصحي في نشر التوعية والتثقيف الصحي حول أهمية اللقاحات ودحض الشائعات حولها. إضافة إلى مدى توفير اللقاحات الآمنة لمجتمع المهمشين.

وقد اختُتمت الندوة بجملة من التوصيات، أهمها ضرورة استهداف الفئات المثقفة والمتعلمة من فئة المهمشين وإدماجهم وإشراكهم في حملات التوعية بأهمية اللقاحات؛ لأنهم الأكثر تأثيرا على المهمشين والأفضل دراية بطباعهم، بحسب مداخلة الناشط المجتمعي صالح المضي.

( أنتجت هذه المادة بدعم من منظمة “lnternews” ضمن مشروع “Rooted in trust” في اليمن)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.